ما ينبغي للشّمس يجلو معرب … منها ولا ينفكُّ عنها مُشرِقُ
فأنر بها في كلِّ حينٍ مَنْزِلِي … لعساه ينجو من ظلامٍ يطرقُ
شَنَّفْ مسامعنا بلطفك أنه … دُرٌّ على سلك البلاغةِ يَنسُقُ
واعْذُرْ إذا قصر الجوابُ مُطَوَّلا … فلفيض بحرك خاطري يتملَّقُ
فالعُذرُ مُتَّخَذٌ كما أبديته … فالشُغلُ مُتَّسِعٌ ووقتي ضَيِّقُ
يقبل اليد التي بدأت بالأيادي، وتروحت إلى المكارم، فمتى يلتحق بها الغادي؟ وتنوعت في أساليب البلاغة، فافتقر إليها الخطيب والشادي، وملأ فضلها برًا وبحرًا فسار بذكرها الملاح والحادي، وينهي ورود مُشَرَّف مُسرِفٍ في إنفاق كنز البيان، مُشْرِفٌ عليه ضُبَّاتُ الرِّندِ والبانِ، مُشرِقٌ كأنه رسالة بين المشتري وكيوان، فتناوله المملوك كما يتناول العقد الثمين، وتخيّله رايةً رُفِعت لمجدٍ فتلتقاه باليمين (١) وحين فض ختامه، وأماط لثامه، وداوى بكلامه كلامه، وأوصل إلى سويداء القلب تحيته وسلامه، تأمله فوجده بحرًا لا تنقضي عجائبه، وفلكًا يبدو شارقه قبل أن يغرب غاربه، فلحظ نجومه، وأخذ يتنزه ويتأمل، ونظر دُرره وشرع يلتقط ويتحمل ما به يفتخر ويتجمل، وانتهى إلى لطف مولانا وحسن توسله في إبلاغ المملوك منتهى سؤله وغاية أمله من تجديد مودة هي في الحقيقة قديمة، وهي وإن سارت لم تزل مقيمة، وفي ذلك أقول:
غدا عاقدًا قلبي بأسرار قلبه … فما عنده لي يقتضي ماله عندي
كيف لا؟ وبيننا نسبة أدب هي أخص الأنساب، لأنها متصلة العلائق إلى يوم الحساب، لا يقطعها، انقراض، ولا يتطرق إلى جوهرها الأعراض، ولا يليق بها الانتقاء والأعراض، وكان المملوك على نية الابتداء والافتتاح، وما صدفه عن ذلك إلا إرصاد لارتياح مولانا إلى فضيلة التقدم. وعلم أنه لا بد أن يرتاح، فصبر وانتظر إلى أن سمح بها القدر، وجاءت والله على قدر.
أهلًا بعارفة أسديتها إليّ، وتلك نعمة تمنّها عليّ، هي والله إحدى المواهب وإحدى السحائب وأعلا المراتب، وأغلا المناصب، وقد امتثل المملوك أمرها المطاع وجاوب بما استطاع، وقابل الصقيل بالصدأ، وجاوب ولكن كما يجاوب الصدى، المملوك الآن يلتمس من الفطن الألمعيّة سرّ هذه الكلمات العربية، لا زالت
(١) تضمين لقول الشاعر: إذا ما راية رُفِعت لمجد … تلقاها عرابة باليمين