فأمسى لها عينان، عين قريرة … وعين بما قد نالنا دمعها حرّ
وجنبان هذا مطمئن ممهّد … وهذا من التبريح مفرشه وعر
وما ذاك من ضرّ بنا غير نخوةٍ … لأن مسَّنا من أهل ذمتنا الشر
ولكنما البؤس تولت وأعقبت … بنعمى فزار العسر واقتبل اليسر
فتكنا بهم فتك الضراغم في الثرى … وهم لسعونا مثلما يلسع الذر
وماضرنا ما قد أتوه بجهلهم … ولكن بهم منا قد استحكم الضر
فبعد كؤوس الخمر دارت عليهم … كؤوس عذاب ما يلذ بها السكر
وبالشيب لم تضرب لحاهم وإنما … به ضرب الجنبان والظهر والصدر
ومازال ذاك الشيب فيهم منغصًا … حياتهم حتى انقضى منهم العمر
فيا قبحهم إذ زال رشد رشيدهم … وزلزل تمكين المكين وقد خرّوا
عمائمهم زرق وسود وجوههم … وأجنابهم حمر وأكتافهم خضر
لقد لعبوا واستعجلوا فأذابهم … على لعب مستعجلات قد انجروا
وأطهرهم المطران جهلًا وأرهبت … رها بينهم أفكًا وخامرهم خمر
وقالوا لهم إن الصليب علا بكم … ولا بد أن تعلوبه ولهم غروا
وصح الذي قالوا ولكن علوّهم … على خشب التسمير كان ولم يدروا
فكلّ صليبي صليب مسمّر … على جمل من مدبر ناله دبر
جمال سرت تحكي جهام سحائب … ومن عجب أن الجهام له قطر
ورجت بهم أركان جلق فرحةً … وقد ملأت أقطارها منهم القطر
وطارت بهم إبل كأغربة النوى … تفرقهم حتى يضمهم الحشر
فراحوا بها والسب يعمل فيهم … وفي نطقهم عي وفي سمعهم وقر
وكانت قسيًا تحتهم فرمتهم … إلى صارم كالملح لكنّه مُر
فكم جلد تيس قد دلوين منهم … ومن دمه قد سال بينهما نهر
وأصبح سوق الخيل محتفلًا بهم … ينادي عليهم فيه مع أنهم حمرُ
لهم بيت لحم من قديم وقد غدا … لهم سوق لحم كاسد ماله سعر
تراموا به في مذبح ونحورهم … بحار دم فوق الثرى ماله نشر
وقد نذروا أن يدفنوا بقمامة … فصح بسعي الريح فيها لهم قبر
على الدف طاب الدق إذ سحروهم … وصح عليهم الضرب فارتقص البكر
وطافوا بهم في زفة حسن عودها … يرن على الإيقاع والعود يحتر
وبينهم من عجل الله روحه … إلى النار واستولى على عصره القبر