تردّى ثياب الموت زُرقًا فما أتى … لها الليل إلا وهي من لهب حُمرُ
لأن أعدمونا من كثير متاعنا … قِسيًّا وملبوسًا فأمرهما نزرُ
فعن ذاك تغنّينا دروع مفاضة … وعن ذاك تغنينا مهنّدة بُترُ
وما للقسي الصفر إذا شطت عليها … السيوف البيض والأسل السمرُ
فيا أُمّة التثليث كيف وترتم … وفي أُمّة التوحيد لا يذهب الوترُ
وهي طويلة فاختصرتها:
جمد فيها ذائب المطر، ورصّع سقيط الثلج أكاليل الشجر. وأصبحت الدنيا وكأنما هي في بلورة، والأرض كأنها غُشيت كافورة، والغُدر كأنما كُسرت عليها قارورة، والجبال كأنما تجلببت بالأُزر، وأطرفها مجرورة وساهر البرق قد أيقظ راقد النبات. وجيش الأنواء في الجو قد اضطرب ثم أظهر على الأرض الثبات، وفواقع الأمطار على صفات الأنهار لها وثبات، وزمرّد ما بقي ورقه من الشجر يفقأ عيون أراقم الجداول، وباع قوس السحائب الممدود بطول المطاول، ونار النارنج في قطوفه مضرمة، وعقائص الكباد ترتج على أرداف شجره المنعمة، وبطائح الأترج بالذهب مغلفة، وشذور الليمون مفصل ما من أغصانه مشنّفة، وكان الثلج قد توالى أياما، كثر تقوطه لما صفق الغدير ورقص الشجر وسقى البرق مداما، فلما أصبحت آخر تلك الأيام الوضاء، ورأيت حسن ذلك المنظر من شباك لي يطل على الفضاء، وكان ذلك في رمضان، وقد حمّ الصيام، وختم على مدة تلك الأيام، فكتبت إليه، عتبت عليه وقلت:
عجّل فإن اليوم يوم سروري … لو أنه للناس يوم فطورُ
بادر صبيحة ليلة قد أسفرت … وتبسمت كالضاحك المسرورُ
وتنفست أرجاؤها عن عنبر … ملأ الربى بفتيته المذرورُ
وسرى نوم النوء في أرجائها … ليهز فرع البانة الممطورُ
والأرض أجمعها غدير واحد … لكنّه الصافي من التكديرُ
باكر به اللذات قبل فواتها … فالعيش كل العيش في التبكير
فاليوم طفل ما ترعرع في الضحى … فعلام عمم رأسه بقتيرُ
فلق الصباح بضوء قلب الدجى … وسطت كتائبه على الديجورُ
والطود فيه طرائق ما لبست … بثلوجها كالخام والمقصورُ
والجو فضي الصحاب كأنما … شُقّت عليه غلائل من نور
وكأنما كانون أطفى جمره … وهفا رمادٌ منه مثل ذرورُ
والدوح مبلول الجناح بمائه … متنفّضُ في الجو كالعصفورُ