للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال له: يا فتى لقد نعيت إلى نفسي، ثم كتب له إلى أهل المعرة كتبًا تعرف إليهم بنسبها، وتعرض بها إلى جمل حصل من مكسبها، ثم ما فتئ أن جاءه نعي أبي تمام وأسمعه داعيه، وأوجعه بقيام ناعيه، فهب حينئذ البحتري مستيقظًا، ورمى ببصره إلى العلياء متلحظًا، وانتشر في الآفاق شعره فلا يُسمع له إلا متحفظًا، وقصد في قصائده السهل الممتنع فجاء بنسيم الصبا، وقسيم الصهبا، يُحفظ من أول إنشاد، ويطرب كأن قوله قول النشيد له ترنّم شاد، وكان على هذا كله غثيثًا إذا أنشد، معجبًا بنفسه ولا يقول كلمة إلا ردّد، ثم يقول ألا تعجبون ألا تطربون ويميل رأسه، ويقطع بالتكرير أنفاسه، حتى أخجله يومًا أبو العنبس الصيمري، وبكته تبكيتًا هلل ديباجه العبقري. وأبو عبادة البحتري أحد شعراء العالم ذكرًا إذا ذُكِر، وشكرًا ولا مخالف فيه إذا شُكر. ومن شعره الفائق، وصفه الفائق، لشذا المسك عرفه قوله (١) في روضة: [من الكامل]

أَخَذَتْ ظُهُورُ الصالحية زينةً … عَجَبًا من الصفراء والحمراء (٢)

بَكَتِ السماءُ بها رَذَاذَ دُموعها … فَغَدَتْ تَبَسم عن نجوم سماء

ومنه قوله في الخمر:

يُخْفى الزُّجاجَةَ لَوْنُها، فكأَنَّها … في الكَفَّ قائمةٌ بغَيْرِ إِناءِ

ولها نسيم كالرِّياضِ تَنَفَّسَتْ … في أَوْجُهِ الأَرواح والأنداء

وَفَواقِع مثل الدموع تَرَدَّدَتْ … في صَحْنِ خد الكاعب الحَسْناءِ

ومنه قوله في مصلوب: [من الكامل]

فَتَراهُ مُطَّردًا على أعوادِهِ … مِثْلَ اطَّراد كواكب الجَوْزَاءِ (٣)

مُسْتَشْرِفًا للشَّمْسِ، مُنْتَصِبًا لَهَا … فِي أُخْرَيَاتِ الجِذْعِ كالحرباء (٤)

ومنه قوله في الدروع والأسنة: [من الكامل]

يَمْشُونَ في زَغَفٍ كأَنَّ مُتُونَها … في كلِّ مَعركةٍ مُتُونُ نِهَاءِ (٥)


(١) القصيدة في ديوانه ١/ ٥ - ١٢ في ٥٦ بيتًا.
(٢) الصالحية: قرية قرب الرقة وعندها بطياس ودير زكى كما ذكر ياقوت عن الخالديين.
(٣) المطرد: المستقيم.
(٤) الحرباء: دويبة من العظاء بطيئة الحركة تتلون بعدة ألوان، تأتي شجرة تعرف بالتنضبة فتمسك بيديها غصنين منها، وتقابل الشمس بوجهها، وتدور حيث تدور الشمس. والكلمة فارسية معربة أصلها خرباء، بالخاء، أي: حافظ الشمس، والشمس بالفارسية: خر.
(٥) الزغف: جمع زغفة، وهي الدرع اللينة الواسعة المحكمة. نهاء: جمع نهى - بكسر النون وفتحها - الغدير أو شبهه.

<<  <  ج: ص:  >  >>