مُدَبِّرُ دُنْيَا أَمْسَكَتْ عَزَماتُهُ … بآفاقِها القُصْوَى وَما طَرَّ شارِبُهُ (١)
فكيف وقد ثابَتْ إِلَيْهِ أَنَاتُهُ … وَراضَتْ صِعَابَ الحَادِثاتِ تَجَارِبُهُ
وأَبْيَضُ مِنْ «آلِ النَّبِيِّ» إِذا احْتَبَى … لِسَاعَةِ عَفْوِ فَالنُّفُوسُ مَوَاهِبُهُ (٢)
ولم يَكُنْ المُغْتَرُّ باللَّهِ إِذْ سَرَى … لِيُعْجِزَ و «المُعْتَزُّ بالله» طَالِبُهُ!
ومنه قوله (٣):
يَبُثُّ المَنَايَا، والمَنَايَا يَحُزْنُهُ، … وَيَكْرِبُ منه الحَتْفُ، والحَتْفُ كَارِبُهُ
كما الليلُ إِنْ تَزْدَدْ لِعَيْنِكَ ظُلْمَةً … حَنَادِسُهُ تَزْدَدْ ضِياءً كَوَاكِبُهُ (٤)
منه قوله في مقتول عُلق رأسه:
كأَنَّ الرَّدَى يُسْقَى المُضَلَّلُ صِرْفَهُ … من السَّيْفِ دَيْنٌ أَرْهَقَ السيف وَاجِبُهُ
ولم يُلْفَ عُضوٌ منهُ إِلا ضَرِيبَةً … لأَبْيَضَ مأثورٍ تُهَابُ مَضَارِبُهُ (٥)
وكان شِفَاءٌ صَلْبُهُ لو تأَلَّفَتْ … لهُ جُنَّةٌ يُرْضِي بها العَيْنَ صَالِبُهُ
تَعَجَّلَ عنه رأْسُهُ، وتَخَلَّفت … لِطِيَّتِها أَوْصَالُهُ وَمَنَاكِبُهُ
فأَصْبَحَ مَنْصُوبًا على النَّاسِ يُفْتَدى … بآراء مَنْ أَوْفى على النَّاسِ نَاصِبُهُ
يُجَاهِمُ رائِيهِ بإِطْرَاقِ عَابِسٍ … شَهِي إِلَيْهِمْ سُخْطُهُ وتَغَاضُبُهُ (٦)
يُنَكِّبُ في إِشْرَافِهِ وهو آزِمٌ … أُزُومَ الخَلِيِّ ازُورَ عَمَّنْ يُعاتِبُهُ (٧)
منها قوله في المديح:
أَخَذْتَ بِوِتْرِ الدِّينِ مَثْنى وخُفِّرَتْ … يَدَاكَ فَلَمْ يُفْلِتْ عَدُوٌّ تُطالِبُهُ
وقد يُحْرَمُ المَوْتُورُ إِمّا تعذَّرت … عِداهُ وإِمَّا فات في الأَرْضِ هَارِبَه
وإِنَّ أَبَا العباس مَنْ تَمَّ رأيهُ، … ومَنْ شُهِرَتْ أَيَّامُهُ وَمَنَاقِبُهُ (٨)
وقد شَحَذَتْ منهُ حَدَاثَةَ سِنْهِ … شهامةُ غِطْرِيفٍ حِدَادٍ مَخَالِبُهُ (٩)
(١) طر شاربه: نبت شعر شاربه يشير بذلك إلى أن المعتز أصغر من ولي الخلافة.
(٢) احتبى بالثوب: اشتمل به.
(٣) القصيدة في ديوانه ١/ ٢١٩ - ٢٢٤ في ٥٤ بيتًا.
(٤) الحنادس: الظلمات، وتطلق أيضًا على ثلاث ليال مظلمة من آخر كل شهر.
(٥) الضريبة: المضروب بالسيف. الأبيض: السيف المأثور: القديم المتوارث.
(٦) يجاهم: ينظر بتجهم وعبوس.
(٧) ينكب: يَزْوَرُّ ويميل. الآزم: المحتمى.
(٨) أبو العباس: هو ابن الموفق الذي ولي الخلاقة بعد عمه المعتمد وتسمى بالمعتضد.
(٩) الغطريف: السيد الشريف.