للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

آثارها، ويحد في لهواته من أنوارها، وجاوز أهل الإحسان في أشعارها، وجاور من خاطره بحرًا لم يرض من الدرر إلا بكبارها، من بيت كلهم ملوك سياسة، وجُلّهم أمراء سيادة ورئاسة، لهم الشجاعة في الملقى، والبراعة في اللفظ المنتقى.

قال فيهم الثعالبي في اليتيمة يصف معاليهم القديمة، يشير إلى معانيهم الكريمة: اكفهم للسماحة، وألسنتهم للفصاحة، وأحلامهم للرجاحة، ووجوههم للصباحة.

وأنا أقول: إنهم فوق كل وصف منقول، كانت نفوسهم عزازًا، وأيامهم على الدهر طرازًا، وأقدامهم تبغى على الجوزاء جوازًا، وعقولهم تزن الجبال رزانة، وآراؤهم تلحظ الغيب حذقًا وفطانة، يتصرفون بين تقليد منّة، وتخليد مكرمة مستسنة، وعناية بتسريح أعنّة، وتشريح إشلاء بأسنّة. وكان أبو فراس له نجدة وبأس، وذكر نابه بين الناس، أمر قبسهم، ومرآة كيسهم، لا يهاب الموت، ولا يخشى الفوت، يلقى المنايا حاسر الكنف، ويلقي القرن إليه السلم فيعفو ويعف، وله ديوان تأمر على الشعر، وتعمر بكل فن رفيع السعر، ما بين قصائد للقلوب صوائد، ومقاطيع للطائف ينابيع، إن عاتب استعطف البخت المتجنب، وإن فخر فهو التغلبي المتغلّب، وإن رقَّ فالحبيب المتحبب، وإن نجا الجزل فبانسجام طبع غير متصعّب، وكان المتنبي على إدلاله بنظمه، وانقطاعه إلى سيف الدولة ابن عمه، وإنفاقه في مدحه مواد علمه، يتحامى أبا فراس فلا يعرض له ولا يعرض عليه مديحه ولا غزله إجلالًا لأدبه، واستقلالًا من نفسه لما يندى به عن فيض جلبه، إلا أن يد المنايا طوت برد شبابه وهو قشيب، وفاجأته في سنّ الاكتهال قبل أن يشيب، وغالب شعره في أخاير قومه، ومفاخر يومه، فثبت منه البوادر الفخرية، مع ما انضم إليها من النوادر الشعرية، وكلها بالتقديم حرية، ومن بديعه المختار، ولو شئت لقلت كل شعر خيار، قوله (١): [من مجزوء الكامل]

الشَّعْرُ دِيوَانُ العَرَب، … أبًا، وَعُنْوَانُ الأَدَب

لَمْ أَعْدُ فِيهِ مَفَاخِرِي … وَمَدِيحَ آبائي النُّجُب

وَمُقَطَّعَاتٍ رُبمَا … حَلَّيْتُ منهنّ الكُتُب


= حلب، فانحاز أبو فراس إلى صدد بين سلمية والشام، ونزل سعد الدولة بسلمية ووجه بعض رجاله مع حاجبه قرغويه بعض غلمانه بالتركية بقتله فاحتزوا رأسه وحمله إلى سعد الدولة.
الأعلام ٢/ ١٥٥. معجم الشعراء للجبوري ٢/ ٦.
(١) القصيدة في ديوانه ص ٢٢ في ٤ أبيات.

<<  <  ج: ص:  >  >>