للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإِنْ تَفْتَدُونِي تَفْتَدُوا لِعُلاكُمُ … فَتًى غَيرَ مَرْدُودِ اللَّسَانِ أَوِ اليَدِ

يُدافع عَنْ أحسابكم بِلِسَانِهِ، … وَيَضْرِبُ عَنكُمْ بِالحُسَامِ المُهَنْدِ

متى تُخلِفُ الأيامُ مِثلي لَكُمْ فَتًى … طَوِيل نِجادِ السَّيْفِ رَحْبَ الْمُقَلَّدِ؟ (١)

وَأَنْتَ الَّذِي بَلَّغْتَني كُلِّ رُتْبَةٍ، … مَشَيتُ إِلَيْهَا فَوْقَ أَعْنَاقِ حُسّدِي

فَيَا مُلبسي النُّعْمَى التي جَلّ قَدْرُهَا … لَقَدْ أَخلَقَتْ تِلكَ الثّيابُ فَجَدّدِ

ألمْ تَرَ أني فيك صَافَحْتُ حَدّهَا، … وَفِيكَ شرِبتُ المَوْتَ غَيْرَ مُصَرَّدِ؟ (٢)

يَقولونَ: جَنِّبْ عادَةً مَا عَرَفْتَها، … شَدِيدٌ عَلَى الإِنْسانِ ما لمْ يُعَوَّدِ (٣)

وَلَكِنْ سَأَلقَاهَا، فَإِما مَنِيّةٌ … هِيَ الظَّنّ، أَوْ بُنْيَانُ عِزّ مُوبد

وَلمْ أدْرِ أنّ الدّهْرَ في عَدَدِ العِدَا؛ … وَأنَّ المَنَايَا السّودَ يَرْمِينَ عَنْ يَدِ (٤)

وقوله (٥) فيما كتب به إلى أُمّه وقد أثقلته الجراح: [من الطويل]

جِرَاحٌ، تحاماها الأُسَاةُ، مَخوفَةٌ … وَسُقمانِ: بَادٍ مِنهُما، وَدَخِيلُ (٦)

وَأَسْرٌ أَقَاسِيهِ، وَلَيْلٌ نُجُومُهُ، … أَرى كُلِّ شَيْءٍ، غَيرَهُنَّ، يَزُولُ

تَطُولُ به الساعاتُ، وَهْيَ قَصِيرَةٌ … وَفي كُلّ دَهْرٍ لا يَسُرِّكَ طُولُ!

تَنَاسَانِي الأَصْحَابُ، إلا عُصَيْبَةً … سَتَلْحَقُ بالأخرى، غدًا، وَتَحول!

وَمَنْ ذا الذي يبقى على العهد؟ إِنَّهُمْ … وَإِنْ كَثُرَتْ دَعوَاهُمُ، لَقَلِيلُ

أُقَلَّبُ طَرْفي لا أرَى غَيْرَ صَاحِبِ، … يَمِيلُ مَعَ النِّعْمَاءِ حَيثُ تَمِيلُ

وَصِرْنَا نَرَى أَنَّ المُتَارِكَ مُحسِنٌ … وَأَنَّ صَدِيقًا لا يُضِرّ وصول

أكُلّ خَلِيلٍ، هكذَا، غَيْرُ مُنصِفٍ، … وَكُلَّ زَمَانٍ بِالكِرَامِ بَخِيلُ!

تصفحتُ أقوال الرجال فلم أجد … إلى غير شاك في الزمان وصول

نَعَمْ دَعَتِ الدنيا إلى الغَدْرِ دَعوَةً … أَجابَ إِلَيْهَا عَالِمٌ، وَجَهُولُ

ويا حَسْرَتي مَنْ لي بخِلٌ مُوَافِقٍ … يَقُولُ بِشَجوِي مَرَّةً، وأقول

تأسي! كَفَاكِ اللهُ ما تَحْذَرِينَهُ، … فقد غالَ هذا النَّاسَ قبلكِ غُولُ!

لَقِيتُ نُجُومَ الأفقِ وَهيَ صَوَارِمٌ؛ … وَخُضْتُ سَوَادَ اللَّيْلِ، وَهُوَ خيول

وَمَنْ لَمْ يُوَقِّ اللهُ فَهْوَ مُمَزَّقٌ … وَمَنْ لَمْ يُعِزّ اللهُ فَهوَ ذَلِيلُ!


(١) نجاد السيف: حمائله وطولها كناية عن طول القامة رحب المقلد: كناية عن سعة ما بين الكتفين.
(٢) المصرد: من سقي الماء قليلا.
(٣) جنب عادة: أي ابتعد عنها، والمراد عادة خشونة العيش.
(٤) عن يد: أي عن يد لا تخطئ المرمى.
(٥) من قصيدتين في ديوانه ص ٢٣٢ - ٢٣٤ في ٢٥ بيتًا. والأخرى أخرى ص ٢٣٤ في ٣ أبيات.
(٦) الأساة، الواحد آس: الطبيب.

<<  <  ج: ص:  >  >>