وَأَظْمَأُ حَتَّى تَرْتَوِي الأَرْضُ وَالقَنَا … وَأَسْغَبُ حَتَّى يَشْبَعَ الذِّئْبُ وَالنَّسْرُ (١)
وما رَاحَ يُطْغِيني بِأَثْوَابِهِ الغِنى؛ … وَلا بَاتَ يَثْنِينِي عَنِ الكَرَمِ الفَقْرُ
وَلكِنْ إِذا حُمّ القَضَاءُ على امرِى … فَلَيسَ لَهُ بَرُّ يَقِيهِ، وَلا يَحْرُ (٢)
وَقالَ أُصَيْحابي: الفِرَارُ أَوِ الرِّدَى؟ … فَقُلتُ: هَمَا أَمْرَانِ؛ أَحْلاهُمَا مُرُّ
وَلَكِنّني أَمْضِي لِمَا لا يَعِيبُني … وَحَسبُكَ من أمرين خَيرهما الأسْرُ
يَمُنّونَ أَنْ خَلّوا نهابي؛ وَإِنَّمَا … عَليّ ثِيَابٌ، من دِمَائِهِم، حُمْرُ
وَقَائِمُ سَيْفِ فِيهِمُ انْدَقَّ نَصْلُهُ، … وَأعقاب رُمح فيهِمُ حُطم الصدر
سَيَذْكُرُني قَوْمِي إِذا جَدّ جِدّهُمْ، … وَفي الليلَةِ الظُّلَمَاءِ يَفْتَقَدُ البَدْرُ
وَلَوْ سَدّ غَيْرِي ما سددت اكتفوا به، … وما كان يغلو التبرُ لَوْ نَفَقَ الصُّفْرُ
وَنَحنُ أُنَاسٌ، لا تَوَسُّطَ عِنْدَنَا، … لَنَا الصِّدرُ دُونَ العالمين أو القبر
تَهُونُ عَلَيْنَا فِي المَعالي نُفُوسُنَا؛ … وَمَنْ خَطَبَ الحسناء لمْ يُعْلِها المَهْرُ
وقوله (٣): [من الطويل]
عَلي لِرَبْعِ العَامِرِيّةِ وَقْفَةٌ … تُمِلَّ عَليّ الشَّوْقَ وَالدَّمعُ كَاتِبُ (٤)
وَمِنْ مَذْهَبي حُبّ الدِّيَارِ لأهلِهَا، … وَللنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ
وَإِنْ وَرَاءَ الحَزْمِ فِيهَا وَدُونَهُ … مَوَاقِفَ تُنْسَى دُونَهُنَّ التَّجَارِبُ
أرَى مِلْءَ عَيْنِيَّ الرّدَى وأخوضه … إذِ المَوْتُ قُدّامي وَخَلْفِي المَعَايبُ
وَمُضْطَغِنٍ لَمْ يَحْمِلِ السرَّ قَلبُهُ … تَلَفْتَ ثمَّ اغْتَابَنِي، وَهُوَ هَائِبُ
تَرَدَّى رِدَاء الذُّلِّ لما لَقِيتُهُ، … كَمَا تَتَرَدَّى بِالغُبارِ العَنَاكِبُ
وَمِنْ شَرَفي أنْ لا يَزَالَ يَعِيبُني … حَسُودٌ عَلى الأمر الذي هُوَ عائِبُ
رَمَتْني عُيُونُ النَّاسِ حَتى أَظُنّهَا … سَتَحسُدُني في الحَاسِدِينَ الكَوَاكِبُ
فَلَسْتُ أرَى إِلا عَدُوًّا مُحَارِبًا، … وَآخَرَ خَيْرٌ مِنْهُ عِنْدِي المُحارِبُ
فهُمُ يُطْفِئُونَ المَجدَ وَاللهُ مُوقِدٌ، … وهم يَنقُصُونَ الفَضْلَ وَاللَّهَ وَاهِبُ
إذا اللهُ لَمْ يَحْرُزُكَ مِمَّا تَخَافُهُ، … فَلَا الدَّرْعُ مَنَاعٌ وَلَا السّيفُ قَاضِبُ (٥)
وقوله (٦): [من الطويل]
لِمَنْ جَاهَدَ الحسّادَ أجْرُ المُجاهِدِ، … وَأَعْجَزُ مَا حَاوَلْتُ إِرْضَاءُ حَاسِدُ
وَلَمْ أرَ مِثْلي اليَوْمَ أَكثَرَ حَاسِدًا؛ … كأنّ قُلُوبَ النَّاسِ في قَلبُ وَاجِدِ
(١) أظمأ: أعطش. أسغب: أجوع.
(٢) حم القضاء: أي قضي.
(٣) القصيدة في ديوانه ص ٣٥ - ٣٩ في ٥٦ بيتًا.
(٤) العامرية: صفة لامرأة من بني عامر. تمل علي: تملي علي.
(٥) قاضب: قاطع.
(٦) القصيدة في ديوانه ص ٨٧ - ٨٩ في ٣٦ بيتًا.