قلت: وهكذا التورية، وبمثل هذا تضيء القريحة المورية. تأمل كيف بدأه: أن الحبيب زاره بروضة، ثم ذكر مع كل من الزهر ما يناسبه ويدنو منه ويقاربه، حتى إذا انقضى من هذه أربه، عاد إلى مناسبة تتمة البيت الأول، وقد قال فيه: وقد غفلت عنا وشاة ولوام، ليستوفي معنى البيت الذي بنى عليه، فتظلم من الحدائق، إذ لها أعين، وفيها نمّام، يعني النرجس النمام، وهذا في غاية التمام.
وقال (١): [من المتقارب]
رَعَى اللهُ لَيلَتَنا بالحِمَى … وأمواه أعيُنِهِ الزَّاخِرَه
وقد زين حُسن سماء الغصون … بأنجُم أزهاره الزاهره
وللنرجس الغَضّ ما بَينَنا … وُجُوهٌ بِحَضرَتِنا ناصِرَه
كأنَّ تَحَدُّقَ أزهارها … عين إلى ربها ناظره
وقال (٢): [من مخلع البسيط]
قالَ الحَيَا للنّسيمِ لَمّا … ظَلَّ بِهِ الزهر في اشتغال
وضاعَ نَشرُ الرّياضِ حَتى … تَعَطَّرَتْ بُرَدَةُ الشمال
أما ترى الأرض كيف تُثني … عليّ منها لسان حالي
فاعجب لإقرارها بفضلي … وسكرها بي وشكرها لي
وقال (٣): [من الخفيف]
خلياني أجر فضلَ بُرودي … رائعًا في رياض عين البرود
كم بها من بديع زَهر أنيق … كفُصول منظومةٍ وعُقُودِ
زَنبَقٌ بَينَ قُضَبِ آس وبان … وأقاح ونرجس ووُرُودِ
كجبين وعارِضِ وَقَوامِ … وثُغُور وأعين وحدود
وقال يعاتب من اعتذر بالثلج (٤): [من المنسرح]
عذرك بالثلج عن زيارتنا … مُبْدَلَةٌ باؤه من الكاف
والغير لما أراد زورتنا … سعى إلينا من نشره حافي
وعندك المال والرجال وما … في تاسع النحل وافر واف
بل أبدلت ذلك الولاية يا … أحمد لما وليت بالقاف
قوله: تاسع النحل وافر واف أراد بذلك قوله تعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (٥).
(١) القطعة في ديوانه ٥٥٣.
(٢) القطعة في ديوانه ٥٥٥.
(٣) القطعة في ديوانه ٥٥٦.
(٤) في ديوانه ١٠٨٣.
(٥) سورة النحل: الآية ٨.