للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في كل ما علم مجيء الرسول به ضرورةً، وهذه عمدة حججهم.

وللسلف ومن وافقهم من أهل الكلام كأبي عبد الله بن طاهر شيخ القاضي أبي بكر وأبي العباس القلانسي وأبي علي الثقفي في قولهم: إنَّ الإيمان تصديق باللسان وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، فلهم عن هذه الحجة في قصر الإيمان على ماذكروه وجوه من الأجوبة:

أحدها: مع الاجماع.

قال أبو محمد بن حزم (١): وأما قولهم: إنَّ الإيمان - في اللغة التي نزل بها القرآن - هو التصديق، فليس كما قالوا على الإطلاق، وما سمي التصديق قط بالقلب دون التصديق باللسان إيمانًا في لغة العرب، وما قال قط عربي: إنَّ من صدق بشيء بقلبه وأعلن التكذيب به بلسانه إنه يسمى مصدقًا به أصلًا، ولا مؤمنا البتة؛ وكذلك ماسمي قط التصديق باللسان دون التصديق بالقلب إيمانًا في لغة العرب أصلًا على الإطلاق، ولا يسمى تصديقًا في لغة العرب ولا إيمانًا مطلقًا إلا من صدق بالشيء بقلبه ولسانه معًا.

مقابلة هذا الإجماع بعكسه. قال أبو إسحاق الاسفراييني من كتاب الأسماء والصفات: اتفقوا على أن ما يستحق به المكلف اسم الإيمان في الشريعة أوصاف كثيرة وعقائدًا مختلفة وإن اختلفوا فيها على تفصيل ذكروه.

الثالث: انه يبعد أن يكون المراد بالإيمان في اللغة التصديق وذلك أن يقال للمخبر: صدقته وصدقه، ولا يقال: آمنته، ولا آمنه، بل يقال: آمن له كما قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ (٣).

الرابع: ان كل مخبر غير مشاهد أو غيب يقال له: صدقت، كما يقال له: كذبت؛ فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق. وأما لفظ الإيمان، فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب.

قال أبو العباس بن تيمية: لم يوجد في الكلام أنَّ من أخبر عن مشاهد كقوله: طلعت الشمس وغربت، أنه يقال: آمنا له كما يقال صدقناه.

الخامس: ان لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة؛ أنَّ كلّ مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ


(١) الفصل: ٢/ ٢١٠ ط العلمية.
(٢) سورة العنكبوت: الآية ٢٦.
(٣) سورة يونس: الآية ٨٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>