الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب فلو قال: أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك لنوع هذا أو لموالاة أو غير ذلك كما كان كثير من الكفار فإنَّهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ولا يتبعونه حسدًا من عند أنفسهم كما أخبر الله تعالى عنهم فلا يقال في هؤلاء: إنهم يؤمنون فإذا كان الكفر يكون تكذيبًا ويكون مخلفة ومعاداة وامتناعًا بلا تكذيب، فلا بد أن يكون الإيمان تصديقًا مع موافقة وموالاة.
- السادس: إنَّه لو سلم أنَّ الإيمان في اللغة هو التصديق فمعلوم أنَّ الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشي مخصوص، وهو ما أخبر به الرسول فيكون حينئذ الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة معلوم أنَّ الخاص تنضم إليه قيود لا توجد في جميع العالم كالحيوان إذا وجد بعض أنواعه وهو الإنسان، كان فيه المعنى العام ومعنى اختص به، وذلك المجموع ليس هو المعنى العام.
- السابع: إنَّ التصديق أعم من أن يكون بالقلب أو بالعمل فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه».
وقال ابن جرير في تهذيب الآثار (١): وإذا وعد الرجل وعدًا، وقال قولًا، ثم أنجز وعده وحقق بالفعل قوله، قيل: صدق فلان قوله بفعله ولا يدفع ذلك ذو معرفة بكلام العرب، وفي ذلك الدلالة على صحة القول بأنَّ الإيمان التصديق فإذا كان الإيمان في كلامها التصديق والتصديق يكون بالقلب واللسان وبفعل الجوارح فتصديق القلب العزم والإذعان وتصديق اللسان الإقرار وتصديق الجوارح السعي والعمل.
وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: أنَّ عبد الملك بن مروان كتب إلى سعيد بن جبير يسأله عن هذه المسائل فأجابه عنها: سألت عن الإيمان فالإيمان هو التصديق أن يصدق العبد بالله وملائكته وما أنزل من كتاب وما أرسل من رسول وباليوم الآخر، وسألت عن التصديق والتصديق أن يعمل العبد بما صدق به من القرآن.
المقام الثاني: من قولهم: إنَّ الايمان لا يزيد ولا ينقص، وإنه مساوٍ وقد وافقهم على هذا الأشعري، وأبو بكر الباقلاني وغيرهما كالرازي، وابن حزم، واحتجوا على ذلك بأنه لما كان اسمًا لتصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيئه به صار هذا مما لا يقبل الزيادة والنقصان والتصديق لا يتفاوت الناس فيه، وجنح إلى هذه الحجة أبو محمد بن حزم. قال: والتصديق بالشيء أي شيء كان لا يمكن البته أن تكون فيه زيادة ولا نقص،
(١) تهذيب الآثار ٧/ ٩٦ باب «الإيمان قولًا وعملًا» (ق).