للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكذلك التصديق بالتوحيد والنبوة لا يمكن البتة أن يكون فيها زيادة ولا نقص؛ لأنه لا يخلو كل معتقد بقلبه أو مقر بلسانه بأي شيء أقر وأي شيء أعتقد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها؛ أما أن يصدق بما اعتقد وأقر، وإما أن يكذب بما اعتقد، فمن المحال أن يكون الإنسان مكذبًا بما يصدق به، ومن المحال أن يشك أحد فيما يصدق به فلم يبق إلا أنه يصدق بما اعتقد بلا شك ولا يجوز أن يكون تصديق واحد أكثر من تصديق آخر؛ لأنَّ التصديق إذا دخلته داخلة فبالضرورة يدري كل ذي حس سليم أنه قد خرج عن التصديق ولا بد وحصل في الشك؛ لأن معنى التصديق إنما هو أن يقطع ويوقن بصحة وجود ما صدق به ولا سبيل إلى التفاضل في هذه الصفة فإن لم يقطع ولا أيقن بصحته، فقد شك فيه فليس مصدقًا به، وإذا لم يكن مصدقا به، فليس مؤمنًا به.

وللسلف القائلين بزيادته ونقصانه عن هذا أجوبة:

أحدها: إنه معارض لظاهر القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٣).

الثاني: معارضته للسنة، ففي الصحيح عن النبي أنه قال: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان».

وقال رسول الله : «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا».

وفي الصحيحين عن النبي أنه قال (٤): «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

وفي صحيح مسلم (٥): «من جاهدهم [بيده]، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».


(١) سورة الانفال: الآية ٢.
(٢) سورة آل عمران: الآية ١٧٣.
(٣) سورة التوبة: الآية ١٢٤.
(٤) صحيح مسلم، باب الايمان ١/ ٥٠، ط الجيل والآفاق أبو داود، باب الصلاة حديث ٢٤٢، الترمذي، باب الفتن حديث ١١، النسائي باب الايمان حدث ١٧، مسند أحمد ٣/ ١٠، ٢٠، ٤٩، ٥٢.
(٥) صحح مسلم، باب الايمان ١/ ٥١ ط الجيل والآفاق.

<<  <  ج: ص:  >  >>