وأما الأدب في حق الخلق فلا يفرط في القيام بحقوقهم، ولا يستغرق فيها بحيث يشتغل بها عن حقوق الله أو عن تكميلها أو عن مصلحة دينه وقلبه ولا يجفو عنها حتى يعطلها بالكلية، فإن الطرفين من العدوان الظاهر، وحقيقة الأدب العدل وكمال الأدب وحسنه من أعلى درجات العبودية.
قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
والأدب على ثلاث درجات:
الأولى: منع الخوف ألا يتعدى إلى اليأس، وحبس الرجاء أن يخرج إلى الأمن وضبط السرور أن يضاهى الجرأة، فلا يدع العبد الخوف من الله يُفضى به إلى حدٍ يوقعه في القنوت واليأس من رحمة الله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
فهذا خوفٌ مذموم فالخوف الموقع في الإياس إساءة أدبٍ على رحمة الله التي سبقت غضبه، والتي وسعت كل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وحد الخوف ما حجز الإنسان عن معاصي الله، فما زاد على ذلك فهو غير محتاجٍ إليه ولا يبلغ به الرجاء إلى حدٍ يأمن معه العقوبة، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، كما قال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩].