للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لشدة مئونته عليهم، وثقله، فصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة لا ينظرون إلى معرفة موجدهم، ولا إلى حقه عليهم، ولا في المراد من إيجادهم، وإخراجهم إلى هذه الدار التي هي معبرٌ إلى دار القرار، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في هذه الدنيا الفانية، وسرعة رحيلهم إلى الدار الآخرة الباقية ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)[الفرقان: ٤٤].

ملكهم باعث الحس، وغاب عنهم داعي العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني الباطلة، فآثروا ما يفنى عن ما يبقى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)[العنكبوت: ٦٤].

فما أشد غفلة الإنسان عن ربه!

ما أجهله بربه، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وملكه، وسلطانه، ودينه، وشرعه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)[الأعراف: ١٧٩].

فما أعظم غفلة الإنسان عن ربه وعن ما يراد به، فأنفاسهم معدودة، وأيامهم محدودة، ومطايا الليل، والنهار تسرع به، ولا يتفكر إلى أين يحمل، ولا يدرى إلى أي الدارين ينقل إذا نزل به الموت اشتد قلقه؛ لخراب ذاته، وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته، وسلف من تفريطه أجير إن ربى غفور رحيم.

<<  <  ج: ص:  >  >>