وهذا غالبًا إما أن يكره الموت، ليكمل استعداده وزينته للقاء ربه، وإما أن يستبطئ مجيء الموت، ويحب مجيئه، ليتخلص من دار العاصين، وينتقل لدار السلام في جوار رب العالمين: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
والموت هادم اللذات، وخطره عظيم، وما بعده أفظع منه، وغفلة الناس عنه بسبب قلة ذكرهم له، وقلة فكرهم فيه، ومن يذكره من الناس لا يذكره بقلب فارغ، بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا، فلا ينجع ذكر الموت في قلبه.
والطريق النافع أن يُفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه، وأقرب من شراك نعله إليه، فإذا باشر ذكر الموت قلبه، فيوشك أن يؤثر فيه، وعند ذلك يقل فرحه وسروره في الدنيا، وينكسر قلبه لجلال ربه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وأنجع طريق فيه أن يُكثر من ذكر أقرانه الذين ماتوا قبله، فيتذكر صورهم في مناصبهم وقصورهم وأحوالهم، ثم يتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب وكيف محا التراب الآن حُسن صورهم؟! وكيف تقطعت أوصالهم في قبورهم! وكيف خرست ألسنتهم، وصُمت آذانهم، وعميت أبصارهم؟! وكيف أرملوا نساءهم، وأيتموا أطفالهم، وقُسمت أموالهم؟! وكيف خلت منهم دورهم ومساجدهم ومجالسهم! وماذا قالوا وماذا قيل لهم؟! وماذا عملوا وماذا وجدوا؟.