إما منهمك في الدنيا .. وإما تائب مبتدئ .. وإما عارف مُنتهي.
فالغافل المنهمك في الدنيا، لا يذكر الموت، وإن ذكره فيذكره للتأسف على الدنيا، ويشتغل بمذمته، وإن ذُكر به كرهه، ونفر منه.
فهذا يزيده ذكر الموت من الله بُعدًا لجهله، وسوء عمله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء: ١٨].
وأما التائب، فإنه يُكثر من ذكر الموت، لينبعث من قبله الخوف والخشية لله ﷿، فيفي بتمام التوبة، وربما يكره الموت، خوفًا من الموت قبل التوبة، وإصلاح الذات.
فهذا معذور في كراهته للموت، لأنه ليس يكره الموت ولقاء الله، وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره، كالذي يتأخر على لقاء الحبيب مُشتغلًا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه، فلا يُعد كارهًا للقائه، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له، لا شغل له سواه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
وأما العارف، فإنه يذكر الموت دائمًا، لأنه موعد لقائه بحبيبه، والحبيب لا ينسى قط موعد لقاء حبيبه، فهو مستعد كل وقت في كمال زينته بإيمانه وطاعته للقاء محبوبه.