أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ) أَيْ وَجَدَ (الرَّجُلُ) الَّذِي بَاعَهُ وَأَقْرَضَهُ (مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ) » مِنْ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّهُ كَالْغُرَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: ٢٨٠] (سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الْآيَةَ ٢٨٠) فَاسْتَحَقَّ النَّظِرَةَ إِلَيْهَا بِالْآيَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الطَّلَبُ قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يُوجِبُ مِلْكَ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ الدَّيْنُ، وَذَلِكَ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ قَبْضُهُ، وَحَمَلُوا حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى الْمَغْصُوبِ وَالْعَوَارِي وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ مَالُهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَلَيْسَ الْمَبِيعُ مَالَ الْبَائِعِ وَلَا مَتَاعًا لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الْمُشْتَرِي، إِذْ هُوَ قَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَعَنْ ضَمَانِهِ بِالْبَيْعِ وَالْقَبْضِ، وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَنْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ أَوْ ضَاعَ لَهُ مَتَاعٌ فَوَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي سَنَدِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ وَهُوَ كَثِيرُ الْخَطَأِ وَالتَّدْلِيسِ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَإِنْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فَمَقْرُونٌ بِغَيْرِهِ، وَلَنَا أَنَّهُ وَقَعَ النَّصُّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: " «إِذَا ابْتَاعَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْغُرَمَاءِ» " وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِسَنَدِهِ: " «فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَعْدَمُ إِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ وَلَمْ يُعَرِّفْهُ إِنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ» " فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَارِدٌ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِمَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا أَحَقُّ بِهَا، سَوَاءٌ وَجَدَهَا عِنْدَ الْمُفْلِسِ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَدْ شَرَطَا الْإِفْلَاسَ فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالسِّلْعَةِ تَمْنَعُ مِنْ حَمْلِ الْحُكْمِ فِيهَا عَلَى الْوَدَائِعِ وَالْعَوَارِي وَالْمَغْصُوبِ مَعَ تَعْلِيقِهِ إِيَّاهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِالْإِفْلَاسِ اهـ.
وَأَيْضًا فَصَاحِبُ الشَّرْعِ جَعَلَ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ الرُّجُوعَ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ وَالْمُودِعُ أَحَقُّ بِعَيْنِهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى صِفَتِهِ أَوْ تَغَيَّرَ عَنْهَا، فَلَمْ يَجُزْ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ وَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ بِعَيْنِهِ إِذَا كَانَ عَلَى صِفَتِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَإِذَا تَغَيَّرَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَأَيْضًا لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ إِلَّا إِذَا عُدِمَتِ السُّنَّةُ، فَإِنْ وُجِدَتْ فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ تَابَعَ مَالِكًا عَلَيْهِ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ نَحْوَهُ.
(قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ فَإِنَّ الْبَائِعَ إِذَا وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ) إِذَا وَجَدَهُ كُلَّهُ (وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ بَعْضَهُ وَفَرَّقَهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.