أَهْلِ الْحَضَرِ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الْقُيُودِ، وَبَيَانُهُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ عَمُودٍ فَهُمْ أَهْلُ بِلَادٍ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ السِّعْرَ، فَلَهُمْ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَى تَحْصِيلِهِ بِأَنْفُسِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الَّذِي جَلَبُوهُ اشْتَرَوْهُ فَهُمْ فِيهِ تُجَّارٌ يَقْصِدُونَ الرِّبْحَ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَلَهُمْ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَيْهِ بِالسَّمَاسِرَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْعَمُودِ الْمَوْصُوفُونَ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ بَاعَ لَهُمُ السَّمَاسِرَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ ضَرَّ بِأَهْلِ الْحَضَرِ فِي اسْتِخْرَاجِ غَايَةِ الثَّمَنِ فِيمَا أَصْلُهُ عَلَى أَهْلِ الْعَمُودِ بِلَا ثَمَنٍ، وَقَصَدَ الشَّارِعُ إِرْفَاقَ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ بِهِ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ بِيعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لِحَدِيثِ: " «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» " وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ عَامٌّ، " «وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» " خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ اسْتُثْنِيَ مِنْهُ فَيُسْتَعْمَلُ الْحَدِيثَانِ.
(وَلَا تُصَرُّوا) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ، وَالرَّاءُ الْمُشَدَّدَةُ بَعْدَهَا وَاوُ الْجَمْعِ، وَنَصْبُ (الْإِبِلَ) عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (وَالْغَنَمَ) عَطْفٌ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ فِي الرِّوَايَةِ، وَعَزَاهُ عِيَاضٌ لِضَبْطِ الْمُتْقِنِينَ مِنْ شُيُوخِهِ، قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا ابْنُ عَتَّابٍ يُقَرِّبُهُ لِلطَّلَبَةِ فَيَقُولُ: هُوَ مِثْلُ {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: ٣٢] وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَيَّدْنَاهُ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الصَّادِ وَنَصْبِ الْإِبِلِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْضًا، وَبِضَمِّ التَّاءِ وَحَذْفِ الْوَاوِ وَرَفْعِ الْإِبِلِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَاشْتِقَاقُهُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنَ التَّصْرِيَةِ مَصْدَرِ صَرَّى بِشَدِّ الرَّاءِ وَبِالْأَلْفِ يُصْرِي تَصْرِيَةً إِذَا جُمِعَ، يُقَالُ: صَرَّيْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْتُهُ، وَمِنْهُ صَرَّى الْمَاءَ فِي الظَّهْرِ إِذَا حَبَسَهُ سِنِينَ لَا يَتَزَوَّجُ، فَالتَّصْرِيَةُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ جَمْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ حَتَّى يَعْظُمَ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَالْمُصَرَّاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ هِيَ النَّاقَةُ أَوِ الشَّاةُ الْمَفْعُولُ بِهَا ذَلِكَ، وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمُحَفَّلَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ، يُقَالُ: ضَرْعٌ حَافِلٌ أَيْ: عَظِيمٌ.
وَأَمَّا عَلَى الضَّبْطِ الثَّانِي فَهُوَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هُوَ الرَّبْطُ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّصْرِيَةِ لَا مِنَ الصَّرِّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِذْ لَوْ كَانَ مِنَ الصَّرِّ لَقِيلَ: نَاقَةٌ أَوْ شَاةٌ مَصْرُورَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ مُصَرَّاةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّصْرِيَةُ أَنْ تُرْبَطَ أَخْلَافُ النَّاقَةِ أَوِ الشَّاةِ وَيُتْرَكَ حَلْبُهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، فَيُزِيدُ الْمُشْتَرِي فِي ثَمَنِهَا لِمَا يَرَى مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ جَيِّدٌ، وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُصِرُّ ضُرُوعَ الْمَحْلُوبَاتِ أَيْ تَرْبُطُهَا فَسُمِّيَ ذَلِكَ الرِّبَاطُ صِرَارًا، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْعَرَبِ: الْعَبْدُ لَا يُحْسِنُ الْكَرَّ وَإِنَّمَا يُحْسِنُ الْحَلْبَ وَالصَّرَّ، وَبِقَوْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ:
فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ ... مُصَرَّرَةً أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ
قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُصَرَّاةٌ مُصَرَّرَةً، أُبْدِلَ إِحْدَى الرَّاءَيْنِ يَاءً كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: ١٠] (سُورَةُ الشَّمْسِ: الْآيَةَ ١٠) كَرِهُوا اجْتِمَاعَ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، قَالَ الْأُبِّيُّ: وَمَا ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ مِنَ التَّصْرِيَةِ، وَلِذَا أَنْكَرُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هُوَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.