وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَبِهِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ، إِنَّهُ يُقِيمُ لِلْأُولَى وَجَمِيعِ الْفَوَائِتِ، وَلَا يُؤَذِّنُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حُبِسَ عَامَ الْخَنْدَقِ حَتَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ لِهَوِيٍّ مِنَ اللَيْلِ فَأَخَّرَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَمْ يُؤَذِّنْ.
وَرَوَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لَهُمَا وَصَلَّاهُمَا، وَلِأَنَّ الْأَذَانَ عَلَمٌ عَلَى فَرْضِ الْوَقْتٍ وَلَيْسَ، بِعَلَمٍ عَلَى نَفْسِ الْفَرْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَقَدُّمَ الْعَصْرِ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ لِلْجَمْعِ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا وَهِيَ فَرْضٌ وَلِأَنَّ فِي الْأَذَانِ لِلْفَوَائِتِ إِلْبَاسًا عَلَى السَّامِعِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَبِهِ قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ: إِنَّ أَمَّلَ اجْتِمَاعَ النَّاسِ أَذَّنَ، وَإِنْ لَمْ يُؤَمِّلِ اجْتِمَاعَ النَّاسِ لَمْ يُؤَذِّنْ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْأَذَانِ اجْتِمَاعُ النَّاسِ بِهِ.
(فَصْلٌ)
: فَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَ مُقَدِّمًا لِلْعَصْرِ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْعَشَاءِ إِلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى ثُمَّ أَقَامَ لِلثَّانِيَةِ وَلَمْ يُؤَذِّنْ، وَإِنْ كَانَ مُؤَخِّرًا لِلظُّهْرِ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ إِلَى وَقْتِ الْعَشَاءِ كَانَ حُكْمُ الْأُولَى مِنْهُمَا فِي الْأَذَانِ لَهَا كَالْفَائِتَةِ فَيَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أقاويل فِي الثَّانِيَةِ فَيُقِيمُ لَهَا، وَلَا يُؤَذِّنُ، فَلَوْ أَخَّرَ الْأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ قَدَّمَ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ حِينَ دَخَلَ وَقْتُهَا أَذَّنَ لِلثَّانِيَةِ وَأَقَامَ، لِأَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ الْجَمْعَ بِتَقْدِيمِهَا، وَفِي أَذَانِهِ لِلْأُولَى ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ لِأَنَّهَا فَائِتَةٌ - وَاللَّهُ أعلم -.
[(مسألة)]
: قَالَ الشَّافِعِيُّ: " وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ وَلَا وَحْدَهُ إِلَّا بِأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، فإن لم يفعله أَجْزَأَهُ ".
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْأَذَانَ، وَالْإِقَامَةَ، لِلصَّلَوَاتِ الْمَفُرَوضَاتِ سُنَّةٌ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْفُرَادَى فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي حَالٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ وَاجِبَانِ مَعًا، لَا يَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، فَإِنْ تَرَكَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ وَاجِبَانِ، إِلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَنُوبُ عَنِ الْآخَرِ فَإِنْ أَتَى بِأَحَدِهِمَا أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا وَإِنْ تَرَكَهُمَا لَمْ يُجْزِهِ وَأَعَادَ إِنْ كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ بَاقِيًا وَلَمْ يُعِدْ إِنْ كَانَ فَائِتًا، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْإِقَامَةُ وَاجِبَةٌ دُونَ الْأَذَانِ فَإِنْ تَرَكَهُمَا بِعُذْرٍ أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ قَضَى.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: ٩] ، فَلَمَّا كَانَ النِّدَاءُ سَبَبًا لِلسَّعْيِ، وَكَانَ السَّعْيُ وَاجِبًا كَانَ النِّدَاءُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.