[مطلب: فيما دلت عليه هذه الآية من وجوب القول بالقياس]
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِرَدِّ الْحَوَادِثِ إلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ إذَا كَانُوا بِحَضْرَتِهِ وَإِلَى الْعُلَمَاءِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَالْغَيْبَةِ عَنْ حَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; وَهَذَا لَا مَحَالَةَ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِنْبَاطِهِ, فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ مَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُودَعٌ فِي النَّصِّ قَدْ كَلَّفَنَا الْوُصُولَ إلَى عِلْمِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ وَاسْتِنْبَاطِهِ فَقَدْ حَوَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَانِيَ: مِنْهَا أَنَّ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ مَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ بَلْ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ. وَمِنْهَا أَنَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ اسْتِنْبَاطَهُ وَالتَّوَصُّلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِرَدِّهِ إلَى نَظَائِرِهِ مِنْ الْمَنْصُوصِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْعَامِّيَّ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْعُلَمَاءِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ. وَمِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كان مُكَلَّفًا بِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا بِدَلَائِلِهَا; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالرَّدِّ إلَى الرَّسُولِ, وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ, ثُمَّ قَالَ: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} وَلَمْ يَخُصَّ أُولِي الْأَمْرِ بِذَلِكَ دُونَ الرَّسُولِ; وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْجَمِيعِ الِاسْتِنْبَاطَ وَالتَّوَصُّلَ إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ بِالِاسْتِدْلَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ هَذَا اسْتِنْبَاطًا فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ, إنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ, لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي شَأْنِ الْأَرَاجِيفِ الَّتِي كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَرْجُفُونَ بِهَا, فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِهَا وَرَدِّ ذَلِكَ إلَى الرَّسُولِ, وَإِلَى الْأُمَرَاءِ حَتَّى لَا يُفْتُوا١ فِي أَعْضَادِ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ شَيْءٌ يُوجِبُ الْخَوْفَ, وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يُوجِبُ الْأَمْنَ لِئَلَّا يَأْمَنُوا فَيَتْرُكُوا الِاسْتِعْدَادَ لِلْجِهَادِ وَالْحَذَرِ مِنْ الْكُفَّارِ; فَلَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْبَاطِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ. قِيلَ لَهُ: قَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ} لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلَى أَمْرِ الْعَدُوِّ; لِأَنَّ الْأَمْنَ والخوف قد يكونان فيما
١ قوله: "لا يفتوا" يقال فت في عضد فلان أي أضعفه وأوهنه. "لمصححه".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.