مطلب: فيمن قَالَ: "إنْ خَرَجْت مِنْ دَارِي إلَّا إلَى الصلاة فعبدي حر" فخرج إليها ثم لم يصل وتوجه إلى حاجة اخرى لم يحنث
وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: "إنْ خَرَجْت مِنْ دَارِي إلَّا إلَى الصَّلَاةِ أَوْ إلَى الْحَجِّ فَعَبْدِي حُرٌّ" فَخَرَجَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ أَوْ الْحَجَّ ثُمَّ لَمْ يَصِلْ وَلَمْ يَحُجَّ وَتَوَجَّهَ إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ; لِأَنَّ خُرُوجَهُ بَدِيًّا كَانَ لِلصَّلَاةِ أَوَلِلْحَجِّ لِمُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لَهُ, كَمَا كَانَ خُرُوجُ مَنْ خَرَجَ مُهَاجِرًا قُرْبَةً وَهِجْرَةً لِمُقَارَنَةِ النِّيَّةِ وَاقْتِطَاعِ الْمَوْتِ لَهُ عَنْ الْوُصُولِ إلَى دَارِ الْهِجْرَةِ لَمْ يُبْطِلْ حُكْمَ الْخُرُوجِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وُجِدَ بَدِيًّا عَلَيْهِ, وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ" فَأَخْبَرَ أَنَّ أَحْكَامَ الْأَفْعَالِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنِّيَّاتِ, فَإِذَا كَانَ خُرُوجُهُ عَلَى نِيَّةِ الْهِجْرَةِ كَانَ مُهَاجِرًا, وَإِذَا كَانَ عَلَى نِيَّةِ الْغَزْوِ كَانَ غَازِيًا.
وَاسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْغَازِيَ إذَا مَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَجَبَ سَهْمُهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِوَرَثَتِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى مَا قَالُوا; لِأَنَّ كَوْنَهَا غَنِيمَةً مُتَعَلِّقٌ بِحِيَازَتِهَا; إذْ لَا تَكُون غَنِيمَةً إلَّا بَعْدَ الْحِيَازَةِ; وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: ٤١] , فَمَنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَغْنَمَ فَهُوَ لَمْ يَغْنَمْ شَيْئًا فَلَا سَهْمَ لَهُ; وقَوْله تَعَالَى {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى وُجُوبِ سَهْمِهِ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ غَازِيًا مِنْ بَيْتِهِ فَمَاتَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْحَرْبِ أَنَّهُ لَا سَهْمَ لَهُ, وَقَدْ وَجَبَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ كَمَا وَجَبَ أَجْرُ الَّذِي خَرَجَ مُهَاجِرًا وَمَاتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ دَارَ هِجْرَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.