وَتَبْشِيرًا لَهُ بِأَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ دِينَهُ لِأَنَّ غَايَةَ هَمِّ الرَّسُولِ هُوَ الْهُدَى، وَإِبْلَاغُ الشَّرِيعَةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ:
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَالنِّدَاءُ فِيهِ لِلِاسْتِئْنَاسِ،
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُقْبَضُ نَبِيءٌ حَتَّى يُخَيَّرَ»
. وَقَوْلُهُ: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ظَاهِرُ مَعْنَاهُ: إِنِّي مُمِيتُكَ، هَذَا هُوَ مَعْنَى هَذَا الْفِعْلِ فِي مَوَاقِعِ اسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّ أَصْلَ فِعْلِ تَوَفَّى الشَّيْءَ أَنَّهُ قَبَضَهُ تَامًّا وَاسْتَوْفَاهُ. فَيُقَالُ: تَوَفَّاهُ اللَّهُ أَيْ قَدَّرَ مَوْتَهُ، وَيُقَالُ: تَوَفَّاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ أَيْ أَنْفَذَ إِرَادَةَ اللَّهِ بِمَوْتِهِ، وَيُطْلَقُ التَّوَفِّي عَلَى النَّوْمِ مَجَازًا بِعَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الْأَنْعَام: ٦٠]- وَقَوْلِهِ- اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢] . أَيْ وَأَمَّا الَّتِي لَمْ تَمُتِ الْمَوْتَ الْمَعْرُوفَ فَيُمِيتُهَا فِي مَنَامِهَا مَوْتًا شَبِيهًا بِالْمَوْتِ التَّامِّ كَقَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ- ثُمَّ قَالَ- حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا فَالْكُلُّ إِمَاتَةٌ فِي التَّحْقِيقِ، وَإِنَّمَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا الْعُرْفُ وَالِاسْتِعْمَالُ، وَلِذَلِكَ فَرَّعَ بِالْبَيَانِ بِقَوْلِهِ: «فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» ، فَالْكَلَامُ مُنْتَظِمٌ غَايَةَ الِانْتِظَامِ، وَقَدِ اشْتَبَهَ نَظْمُهُ عَلَى بَعْضِ
الْأَفْهَامِ. وَأَصْرَحُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ آيَةُ الْمَائِدَةِ: «فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ» لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ الْوَفَاةَ الْمَعْرُوفَةَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ عِلْمِ مَا يَقَعُ فِي الْأَرْضِ، وَحَمْلُهَا عَلَى النَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيسَى لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ رَفْعَهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَنَامَ وَلِأَنَّ النَّوْمَ حِينَئِذٍ وَسِيلَةٌ لِلرَّفْعِ فَلَا يَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِذِكْرِهِ وَتَرْكُ ذِكْرِ الْمَقْصِدِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى الرَّفْعِ عَنْ هَذَا الْعَالَمِ إِيجَادُ مَعْنًى جَدِيدٍ لِلْوَفَاةِ فِي اللُّغَةِ بِدُونِ حُجَّةٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّهَا وَفَاةُ مَوْتٍ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ «قَالَ مَالِكٌ: مَاتَ عِيسَى وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سَنَةً» قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي «الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ» :
«يُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ: مَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ» .
وَقَالَ الرَّبِيعُ: هِيَ وَفَاةُ نَوْمٍ رَفَعَهُ اللَّهُ فِي مَنَامِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ: مَعْنَاهُ إِنِّي قَابِضُكَ مِنَ الْأَرْضِ، وَمُخَلِّصُكَ فِي السَّمَاءِ، وَقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ مُتَقَبِّلٌ عَمَلَكَ. وَالَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى تَأْوِيلِ مَعْنَى الْوَفَاةِ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّ عِيسَى يَنْزِلُ فِي آخِرِ مُدَّةِ الدُّنْيَا، فَأَفْهَمَ أَنَّ لَهُ حَيَاةً خَاصَّةً أَخَصَّ مِنْ حَيَاةِ أَرْوَاحِ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.