أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ [النِّسَاء: ٢٤] فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً [النِّسَاء: ٢٤] وَلِذَلِكَ كَانَ هَذَا الْأَصَحَّ فِي تَفْسِيرِ الطَّوْلِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَهِيَ طَوْلٌ فَلَا يُبَاحُ لَهُ تَزَوُّجُ الْإِمَاءِ لِأَنَّهُ طَالِبُ شَهْوَةٍ إِذْ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ تعفّه عَن الزِّنَا. وَوَقَعَ لِمَالِكٍ مَا يَقْرُبُ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ وَالطَّبَرِيُّ، وَهُوَ تَضْيِيقٌ لَا يُنَاسِبُ يُسْرَ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَى امْرَأَةٍ ثَانِيَةٍ قَدْ لَا يَكُونُ لِشَهْوَةٍ بَلْ لِحَاجَةٍ لَا تَسُدُّهَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إِلَى طَلَبِ التَّزَوُّجِ،
وَوُجُودِ الْمَقْدِرَةِ. وَقَالَ رَبِيعَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، الطَّوْلُ: الصَّبْرُ وَالْجَلَدُ عَلَى نِكَاحِ الْحَرَائِرِ.
وَوَقَعَ لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ الَّذِي يَجِدُ مَهْرَ حُرَّةٍ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى نَفَقَتِهَا، لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً، وَهَذَا لَيْسَ لِكَوْنِ النَّفَقَةِ مِنَ الطَّوْلِ وَلَكِنْ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَهْرِ طَوْلٌ، وَالنَّفَقَةَ لَا مَحِيصَ عَنْهَا فِي كِلَيْهِمَا، وَقَالَ أَصْبَغُ: يَجُوزُ لِهَذَا أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَمَةِ عَلَى أَهْلِهَا إِنْ لَمْ يَضُمُّهَا الزَّوْجُ إِلَيْهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْخِلَافَ فِي حَالٍ. وَقَوْلُهُ: أَنْ يَنْكِحَ مَعْمُولُ (طَوْلًا) بِحَذْفِ (اللَّامِ) أَوْ (عَلَى) إِذْ لَا يَتَعَدَّى هَذَا الْمَصْدَرُ بِنَفْسِهِ.
وَمَعْنَى أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ أَيْ يَنْكِحَ النِّسَاءَ الْحَرَائِرَ أَبْكَارًا أَوْ ثَيِّبَاتٍ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ.
وَإِطْلَاقُ الْمُحْصَنَاتِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي يَتَزَوَّجُهُنَّ الرِّجَالُ إِطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ بِعَلَاقَةِ الْمَآلِ، أَيِ اللَّائِي يَصِرْنَ مُحْصَنَاتٍ بِذَلِكَ النِّكَاحِ إِنْ كُنَّ أَبْكَارًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً [يُوسُف: ٣٦] أَي عنبا آئلا إِلَى خَمْرٍ أَوْ بِعَلَاقَةِ مَا كَانَ، إِنْ كُنَّ ثَيِّبَاتٍ كَقَوْلِهِ: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [النِّسَاء: ٢] وَهَذَا بَيِّنٌ، وَفِيهِ غُنْيَةٌ عَنْ تَأْوِيلِ الْمُحْصَنَاتِ بِمَعْنَى الْحَرَائِرِ، فَإِنَّهُ إِطْلَاقٌ لَا تُسَاعِدُ عَلَيْهِ اللُّغَةُ، لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا عَلَى الْمَجَازِ، وَقَدْ تَسَاهَلَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْقَوْلِ بِذَلِكَ.
وَقَدْ وُصِفَ الْمُحْصَنَاتُ هُنَا بِالْمُؤْمِنَاتِ، جَرْيًا عَلَى الْغَالِبِ، وَمُعْظَمُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ خَرَجَ لِلْغَالِبِ وَلَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اسْتِطَاعَةَ نِكَاحِ الْحَرَائِرِ الْكِتَابِيَّاتِ طَوْلٌ، إِذْ لَمْ تَكُنْ إِبَاحَةُ نِكَاحِهِنَّ مَشْرُوطَةً بِالْعَجْزِ عَنِ الْحَرَائِرِ الْمُسْلِمَاتِ، وَكَانَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.