وَمَعْنَى تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ تَخَافُونَ عَوَاقِبَهُ السَّيِّئَةَ. فَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ النُّشُوزُ مَعَ مَخَائِلِ قَصْدِ الْعِصْيَانِ وَالتَّصْمِيمِ عَلَيْهِ لَا مُطْلَقُ الْمُغَاضَبَةِ أَوْ عَدَمُ الِامْتِثَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْهُ حَالُ الزَّوْجَيْنِ، لِأَنَّ الْمُغَاضَبَةَ وَالتَّعَاصِيَ يَعْرِضَانِ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَيَزُولَانِ، وَبِذَلِكَ يَبْقَى مَعْنَى الْخَوْفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ تَوَقُّعِ حُصُولِ مَا يَضُرُّ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالْوَعْظِ وَالْهَجْرِ وَالضَّرْبِ مَرَاتِبَ بِمِقْدَارِ الْخَوْفِ مِنْ هَذَا النُّشُوزِ وَالْتِبَاسِهِ بِالْعُدْوَانِ وَسُوءِ النِّيَّةِ.
وَالْمُخَاطَبُ بِضَمِيرِ تَخافُونَ إِمَّا الْأَزْوَاجُ، فَتَكُونُ تَعْدِيَةُ (خَافَ) إِلَيْهِ عَلَى أَصْلِ تَعْدِيَةِ الْفِعْلِ إِلَى مَفْعُولِهِ، نَحْوَ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ [آل عمرَان: ١٧٥] وَيَكُونُ إِسْنَادُ فَعِظُوهُنَّ- وَاهْجُرُوهُنَّ- وَاضْرِبُوهُنَّ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ مَجْمُوعَ مَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الْعَمَلِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْأَزْوَاجِ فَيَتَوَلَّى كُلُّ فَرِيقٍ مَا هُوَ مِنْ شَأْنِهِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ
[٢٢٩] وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ إِلَخ. فخاطب (لَكُمْ) لِلْأَزْوَاجِ، وَخِطَابُ فَإِنْ خِفْتُمْ [الْبَقَرَة:
٢٢٩] لِوُلَاةِ الْأُمُورِ، كَمَا فِي «الْكَشَّافِ» . قَالَ: وَمِثْلُ ذَلِكَ غَيْرُ عَزِيزٍ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ. يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّفِّ [١١- ١٣] : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى قَوْلِهِ:
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ جَعَلَ (وَبَشِّرِ) عَطْفًا عَلَى (تُؤْمِنُونَ) أَيْ فَهُوَ خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا مِنَ الرَّسُولِ خُصَّ بِهِ. وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ أَخَذَ عَطَاءٌ إِذْ قَالَ: لَا يَضْرِبُ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ وَلَكِنْ يَغْضَبُ عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذَا مِنْ فِقْهِ عَطَاءٍ وَفَهْمِهِ الشَّرِيعَةَ وَوُقُوفِهِ عَلَى مَظَانِّ الِاجْتِهَادِ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالضَّرْبِ هُنَا أَمْرُ إِبَاحَةٍ، وَوَقَفَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى كَقَوْل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَلَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ» . وَأَنَا أَرَى لِعَطَاءٍ نَظَرًا أَوْسَعَ مِمَّا رَآهُ لَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ أَنَّهُ وَضَعَ هَاتِهِ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا بِحَسَبِ الْقَرَائِنِ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، قَالَ ابْنُ الْفُرْسِ: وَأَنْكَرُوا الْأَحَادِيثَ الْمَرْوِيَّةَ بِالضَّرْبِ. وَأَقُولُ: أَوْ تَأَوَّلُوهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِذْنَ بِالضَّرْبِ لِمُرَاعَاةِ أَحْوَالٍ دَقِيقَةٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَأَذِنَ لِلزَّوْجِ بِضَرْبِ امْرَأَتِهِ ضَرْبَ إِصْلَاحٍ لِقَصْدِ إِقَامَةِ الْمُعَاشَرَةِ بَيْنَهُمَا فَإِنْ تَجَاوَزَ مَا تَقْتَضِيهِ حَالَةُ نُشُوزِهَا كَانَ مُعْتَدِيًا.
وَلِذَلِكَ يَكُونُ الْمَعْنَى وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ أَيْ تَخَافُونَ سُوءَ مَغَبَّةِ نُشُوزِهِنَّ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَنَّ النُّشُوزَ رُفِعَ إِلَيْهِمْ بِشِكَايَةِ الْأَزْوَاجِ، وَأَنَّ إِسْنَادَ فَعِظُوهُنَّ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَمَّا إِسْنَادُ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ فَعَلَى مَعْنَى إِذْنِ الْأَزْوَاجِ بِهِجْرَانِهِنَّ، وَإِسْنَادُ وَاضْرِبُوهُنَّ كَمَا عَلِمْتَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.