وَمِنْ أَوَاخِرِ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَلِمَا فِي قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا:
قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التَّوْبَة: ١٢٣] مِنَ التَّعْرِيضِ بِالْمُنَافِقِينَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالْمُنَافِقُونَ خَاطِرُونَ بِذِهْنِ السَّامِعِ فَيَكُونُ الْإِتْيَانُ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَيْهِمْ تَقْوِيَةً لِذَلِكَ التَّعْرِيضِ.
وَقَوْلُهُمْ: أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً خِطَابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَبِالْقُرْآنِ، لِأَنَّ بَعْضَ آيَاتِ الْقُرْآنِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْقُرْآنَ يُزِيدُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا قَالَ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [الْأَنْفَال: ٢] . وَلَعَلَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ قَالُوا: قَدِ ازْدَدْنَا إِيمَانًا، كَقَوْلِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ لِلْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً، يَعْنِي بِمُذَاكَرَةِ الْقُرْآنِ وَأُمُورِ الدِّينِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ) .
وَلَمَّا كَانَ الِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِمْ: أَيُّكُمْ لِلِاسْتِهْزَاءِ كَانَ مُتَضَمِّنًا مَعْنَى إِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ سُوَرِ الْقُرْآنِ يُزِيدُ سَامِعِيهَا إِيمَانًا تَوَهُّمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ مَا لَا يَزِيدُهُمْ إِيمَانًا لَا يَزِيدُ غَيْرَهُمْ إِيمَانًا، يَقِيسُونَ عَلَى أَحْوَالِ قُلُوبِهِمْ.
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا لِلتَّفْرِيعِ عَلَى حِكَايَةِ اسْتِفْهَامِهِمْ بِحَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِ حَالِهِ وَصَرْفِهِ عَنْ مَقْصِدِهِمْ مِنْهُ. وَتِلْكَ طَرِيقَةُ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ، وَهُوَ: تَلَقِّي الْمُخَاطَبِ بِغَيْرِ مَا يَتَرَقَّبُ بِحَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ لِنُكْتَةٍ، وَهِيَ هُنَا إِبْطَالُ مَا قَصَدُوهُ مِنْ نَفْيِ أَنْ
تَكُونَ السُّورَةُ تَزِيدُ أَحَدًا إِيمَانًا قِيَاسًا عَلَى أَحْوَالِ قُلُوبِهِمْ فَأُجِيبَ اسْتِفْهَامُهُمْ بِهَذَا التَّفْصِيلِ الْمُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ، فَأَثْبَتَ أَنَّ لِلسُّورَةِ زِيَادَةً فِي إِيمَانِ بَعْضِ النَّاسِ وَأَكْثَرَ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ حُصُولُ الْبَشَرِ لَهُمْ.
وَارْتُقِيَ فِي الْجَوَابِ عَنْ مَقْصِدِهِمْ مِنَ الْإِنْكَارِ بِأَنَّ السُّورَةَ لَيْسَتْ مَنْفِيًّا عَنْهَا زِيَادَةٌ فِي إِيمَانِ بَعْضِ النَّاسِ فَقَطْ بَلِ الْأَمْرُ أَشَدُّ إِذْ هِيَ زَائِدَةٌ فِي كُفْرِهِمْ، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ الْمُؤْمِنُونَ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَأَكْسَبَتْهُمْ بُشْرَى فَحَصَلَ مِنَ السُّورَةِ لَهُمْ نَفْعَانِ عَظِيمَانِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ زَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ. فَالْوَجْهُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ: فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَأَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.