وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا بِإِذْنِهِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ عُمُومِ مُتَعَلِّقَاتِ فِعْلِ يُمْسِكُ وَمُلَابَسَاتِ مَفْعُولِهِ وَهُوَ كَلِمَةُ السَّماءَ عَلَى اخْتِلَافِ مَحَامِلِهِ، أَيْ يَمْنَعُ مَا فِي السَّمَاءِ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَى الْأَرْضِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ إِلَّا وُقُوعًا مُلَابِسًا لِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ: هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي مَعْنَى الْآيَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ قَوْلُهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ عَلَى الْإِمْسَاكِ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَقْتَضِي بِغَيْرِ عَمَدٍ (أَيْ يَدُلُّ بِدَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ هَذَا الْمُتَعَلِّقِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [الرَّعْد: ٢] وَنَحْوِهِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ: إِلَّا بِإِذْنِهِ فَيُمْسِكُهَا» اه. يُرِيدُ أَنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ قَرِينَةٌ عَلَى الْمَحْذُوفِ.
وَالْإِذْنُ حَقِيقَتُهُ: قَوْلٌ يُطْلَبُ بِهِ فِعْلُ شَيْءٍ، وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِلْمَشِيئَةِ وَالتَّكْوِينِ، وَهُمَا مُتَعَلِّقُ الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ.
وَقَدِ اسْتَوْعَبَتِ الْآيَةُ الْعَوَالِمَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَّ، وَالْبَحْرَ، وَالْجَوَّ.
وَمَوْقِعُ جُمْلَةِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلتَّسْخِيرِ وَالْإِمْسَاكِ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ رَأْفَةً بِالنَّاسِ بِتَيْسِيرِ مَنَافِعِهِمُ الَّذِي فِي ضِمْنِهِ دَفْعُ الضّر عَنْهُم.
والرؤوف: صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الرَّأْفَةِ أَوْ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وَهِيَ صِفَةٌ تَقْتَضِي صَرْفَ الضُّرِّ.
وَالرَّحِيمُ: وَصْفٌ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ تَقْتَضِي النَّفْعَ لِمُحْتَاجِهِ. وَقَدْ تَتَعَاقَبُ الصِّفَتَانِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُفِيدُ مَا تَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ صِفَةٍ مِنْهُمَا وَيُؤَكِّدُ مَا تجتمعان عَلَيْهِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.