وَالتَّفَاخُرُ لَا عَنْ خُصُوصِ الْمَشْيِ فِي حَالِ الْمَرَحِ فَيَشْمَلُ الْفَخْرَ عَلَيْهِمْ بِالْكَلَامِ وَغَيْرِهِ.
وَالْمَرَحُ: فَرْطُ النَّشَاطِ مِنْ فَرَحٍ وَازْدِهَاءٍ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي الْمَشْيِ تَبَخْتُرًا وَاخْتِيَالًا فَلِذَلِكَ يُسَمَّى ذَلِكَ الْمَشْيُ مَرَحًا كَمَا فِي الْآيَةِ، فَانْتِصَابُهُ عَلَى الصِّفَةِ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، أَيْ مَشْيًا مَرَحًا، وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ [٣٧] . وَمَوْقِعُ قَوْلِهِ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ لَا تَمْشِ مَعَ أَنَّ الْمَشْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْأَرْضِ هُوَ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّ الْمَشْيَ فِي مَكَانٍ يَمْشِي فِيهِ النَّاسُ كُلُّهُمْ قَوِيُّهُمْ وَضَعِيفُهُمْ، فَفِي ذَلِكَ مَوْعِظَةٌ لِلْمَاشِي مَرَحًا أَنَّهُ مُسَاوٍ لِسَائِرِ النَّاسِ.
وَمَوْقِعُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ مُوقِعُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لُقْمَان: ١٦] كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْمُخْتَالُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنِ اخْتَالَ بِوَزْنِ الِافْتِعَالِ مِنْ فِعْلِ خَالَ إِذَا كَانَ ذَا خُيَلَاءَ، فَهُوَ خَائِلٌ. وَالْخُيَلَاءُ: الْكِبْرُ وَالِازْدِهَاءُ، فَصِيغَةُ الِافْتِعَالِ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْوَصْفِ فَوَزْنُ الْمُخْتَالِ مُخْتِيلٌ فَلَمَّا تَحَرَّكَ حَرْفُ الْعِلَّةِ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهُ قُلِبَ أَلِفًا، فَقَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَلَا تُصَاعِرْ خَدَّكَ للنَّاس، وَقَوله فَخُورٍ مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً.
وَالْفَخُورُ: شَدِيدُ الْفَخْرِ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً
فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٣٦] .
وَمَعْنَى إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ أَنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُخْتَالِينَ الْفَخُورِينَ، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِ أَهْلِ الِاسْتِعْمَالِ أَنْ يَكُونَ مُفَادُهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَجْمُوعَ الْمُخْتَالِينَ الْفَخُورِينَ إِذَا اجْتَمَعُوا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ مِنْ أَنَّ كُلَّ إِذَا وَقَعَ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ مُؤَخَّرًا عَنْ أَدَاتِهِ يَنْصَبُّ النَّفْيُ عَلَى الشُّمُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي كُلَّ الَّتِي يُرَادُ مِنْهَا تَأْكِيدُ الْإِحَاطَةِ لَا فِي كُلَّ الَّتِي يُرَادُ مِنْهَا الْأَفْرَادُ، وَالتَّعْوِيلُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَرَائِنِ. عَلَى أَنَّا نَرَى مَا ذكره الشَّيْخ أَمر أغلبي غَيْرَ مُطَّرِدٍ فِي اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللِّسَانِ وَلِذَلِكَ نَرَى صِحَّةَ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فِي لَفْظِ (كُلَّ) فِي قَوْلِ أَبِي النَّجْمِ الْعِجْلِيِّ:
قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الْخِيَارِ تَدَّعِي ... عَلَيَّ ذَنْبًا كُلَّهُ لَمْ أَصْنَعِ
وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي تَعْلِيقَاتِي عَلَى دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.