الْآيَةُ نَفْسَ الْحَمْلِ إِدْمَاجًا لِلْمِنَّةِ فِي ضِمْنِ الْعِبْرَةِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَآيَةٌ لَهُمْ صُنْعُ الْفُلْكِ لِنَحْمِلَ ذُرِّيَّاتِهِمْ فِيهِ فَحَمَلْنَاهُمْ.
وَأُطْلِقَ الْحَمْلُ عَلَى الْإِنْجَاءِ مِنَ الْغَرَقِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ لِعَلَاقَةِ السَّبَبِيَّةِ وَالْمُسَبَبِيَّةِ، أَيْ أَنْجَيْنَا ذُرِّيَّاتِهِمْ مِنَ الْغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ فِي الْفُلْكِ حِينَ الطُّوفَانِ.
وَالذُّرِّيَّاتُ: جُمَعُ ذُرِّيَّةٍ وَهِيَ نَسْلُ الْإِنْسَانِ. والْفُلْكِ الْمَشْحُونِ: هُوَ الْمَعْهُودُ بَيْنَ الْبَشَرِ فِي قِصَّةِ الطُّوفَانِ، وَهُوَ هُنَا مُفْرَدٌ بِقَرِينَة وَصفه بالمفرد وَهُوَ الْمَشْحُونِ وَلَمْ يَقُلِ:
الْمَشْحُونَةُ كَمَا قَالَ: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ [فاطر: ١٢] وَهُوَ فُلْكُ نُوحٍ فَقَدِ اشْتَهَرَ بِهَذَا الْوَصْفِ فِي الْقُرْآنِ كَمَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١١٩] فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَلَمْ يُوصَفْ غَيْرُ فُلْكِ نُوحٍ بِهَذَا الْوَصْفِ.
وَتَعْدِيَةُ حَمَلْنا إِلَى الذُّرِّيَّاتِ تَعْدِيَةٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ وَهُوَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ فَإِنَّ الْمَجَازَ الْعَقْلِيَّ لَا يَخْتَصُّ بِالْإِسْنَادِ بَلْ يَكُونُ الْمَجَازَ فِي التَّعْلِيقِ فَإِنَّ الْمَحْمُولَ أُصُولُ الذُّرِّيَّاتِ لَا الذُّرِّيَّاتُ وَأُصُولُهَا مُلَابِسَةً لَهَا.
وَلَمَّا كَانَتْ ذُرِّيَّاتُ الْمُخَاطَبِينَ مِمَّا أَرَادَ اللَّهُ بَقَاءَهُ فِي الْأَرْضِ حِينَ أَمَرَ نُوحًا بِصُنْعِ الْفُلْكِ لِإِنْجَاءِ الْأَنْوَاعِ وَأَمَرَهُ بِحَمْلِ أَزْوَاجٍ مِنَ النَّاسِ هُمُ الَّذِينَ تَوَلَّدَ مِنْهُمُ الْبَشَرَ بَعْدَ الطُّوفَانِ نَزَّلَ الْبَشَرَ كُلَّهُ مَنْزِلَةَ مَحْمُولِينَ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فِي زَمَنِ نُوحٍ، وَذِكْرُ الذُّرِّيَّاتِ يَقْتَضِي أَنَّ أُصُولَهُمْ مَحْمُولُونَ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ إِيجَازًا فِي الْكَلَامِ، وَأَنَّ أَنْفُسَهُمْ مَحْمُولُونَ كَذَلِكَ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّا حَمَلْنَا أُصُولَهُمْ وَحَمَلْنَاهُمْ وَحَمَلْنَا ذُرِّيَّاتِهِمْ، إِذْ لَوْلَا نَجَاةُ الْأُصُولِ مَا جَاءَتِ الذُّرِّيَّاتُ، وَكَانَتِ الْحِكْمَةُ فِي حَمْلِ الْأُصُولِ بَقَاءَ الذُّرِّيَّاتِ فَكَانَتِ النِّعْمَةُ شَامِلَةً لِلْكُلِّ، وَهَذَا كَالِامْتِنَانِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً [الحاقة: ١١، ١٢] .
وَضَمِيرُ ذُرِّيَّاتِهِمْ عَائِدٌ إِلَى مَا عَادَ إِلَيْهِ ضَمِيرُ لَهُمْ أَيِ الْعِبَادُ الْمُرَادُ بِهِمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لَكِنَّهُمْ لُوحِظُوا هُنَا بِعُنْوَانِ كَوْنِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ الْبَشَرِ، فَالْمَعْنَى: آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتِ الْبَشَرِ فِي سَفِينَةِ نُوحٍ وَذَلِكَ حِينَ أَمْرَ اللَّهُ نُوحًا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.