فِيهِ تَخَلُّصًا إِلَى ذِكْرِ الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي هُوَ بِصَدَدِ الْإِنْذَارِ دُونَ الرُّسُلِ الَّذِينَ سَبَقُوا إِذْ لَا تُلَائِمُهُمْ صِيغَةُ الْمُضَارِعِ وَلِأَنَّهُ مُرَجِّحٌ لِإِظْهَارِ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِي قَوْلِهِ: لَا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ كَمَا سَيَأْتِي.
ويَوْمَ التَّلاقِ هُوَ يَوْمُ الْحَشْرِ، وَسُمِّيَ يَوْمَ التَّلَاقِي لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يَلْتَقُونَ فِيهِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ يَلْقَوْنَ رَبَّهُمْ لِقَاءً مَجَازِيًّا، أَيْ يَقِفُونَ فِي حَضْرَتِهِ وَأَمَامَ أَمْرِهِ مُبَاشَرَةً كَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنا [يُونُس: ٧] أَيْ لَا يَرْجُونَ يَوْمَ الْحَشْرِ. وانتصب يَوْمَ التَّلاقِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَان لِيُنْذِرَ، وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ لِظُهُورِهِ، أَيْ لِيُنْذِرَ النَّاس. وَبَين التَّلاقِ ويُلْقِي جناس.
وَكتب التَّلاقِ فِي الْمُصْحَفِ بِدُونِ يَاءٍ. وَقَرَأَهُ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرَةٍ بِدُونِ يَاءٍ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْوَصْلِ لَا فِي الْوَقْفِ فَلَا مُوجِبَ لِطَرْحِ الْيَاءِ إِلَّا مُعَامَلَةُ الْوَصْلِ مُعَامَلَةَ الْوَقْفِ وَهُوَ قَلِيلٌ فِي النَّثْرِ فَيَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى السَّمَاعِ. وَكَفَى بِرِوَايَةِ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو سَمَاعًا.
ويَوْمَ هُمْ بارِزُونَ بَدَلٌ من يَوْمَ التَّلاقِ. وهُمْ بارِزُونَ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، وَالْمُضَافُ ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْأَرْجَحِ بِدُونِ تَقْدِيرٍ.
وَضَمِيرُ الْغَيْبَةِ عَائِدٌ إِلَى الْكافِرُونَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [غَافِر: ١٤] .
وَجُمْلَةُ لَا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ هُمْ بارِزُونَ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ وَاضِحَةٌ ظَوَاهِرُهُمْ وَبَوَاطِنُهُمْ فَإِنَّ ذَلِك مُقْتَضى قَوْلهم: مِنْهُمْ شَيْءٌ.
وَإِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِأَنَّ إِظْهَارَهُ أَصْرَحُ لِبُعْدِ مَعَادِهِ بِمَا عَقِبَهُ مِنْ قَوْلِهِ: عَلى مَنْ
يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
، وَلِأَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ ضَمِيرَ لِيُنْذِرَ عَائِدٌ إِلَى مَنْ يَشاءُ.
وَمَعْنَى مِنْهُمْ مِنْ مَجْمُوعِهِمْ، أَيْ مِنْ مَجْمُوع أَحْوَالهم وشؤونهم، وَلِهَذَا أُوثِرَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِجْمَالِ الصَّالِحِ لِتَقْدِيرِ مُضَافٍ مُنَاسِبٍ لِلْمَقَامِ، وَأُوثِرَ أَيْضًا لَفْظُ شَيْءٌ لِتَوَغُّلِهِ فِي الْعُمُومِ، وَلَمْ يَقُلْ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.