وَالْأَصْوَاتِ مِنَ الْمَعَانِي مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ. وَتَقْرِيبُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْكَلَامَ الْحَادِثَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ دَالٌّ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ صِفَةٌ لِلَّهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ عَنِ الشَّيْخِ: إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ الْأَزَلِيَّ مَقْرُوءٌ بِأَلْسِنَتِنَا، مَحْفُوظٌ فِي قُلُوبِنَا، مَسْمُوعٌ بِآذَانِنَا، مَكْتُوبٌ فِي مَصَاحِفِنَا غَيْرَ حَالٍّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ مَعْلُومٌ بِقُلُوبِنَا مَذْكُورٌ بِأَلْسِنَتِنَا مَعْبُودٌ فِي مَحَارِيبِنَا وَهُوَ غَيْرُ حَالٍّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَالْقِرَاءَةُ وَالْقَارِئُ مَخْلُوقَانِ، كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ مَخْلُوقَانِ، وَالْمَعْلُومُ وَالْمَعْرُوفُ قَدِيمَانِ اهـ.
يَعْنِي أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَقْرُوءَةَ وَالْمَكْتُوبَةَ دَوَالُّ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ وَالْمَدْلُولُ وَهُوَ كَوْنُ اللَّهِ مُرِيدًا لِمَدْلُولَاتِ تِلْكَ التَّرَاكِيبِ هُوَ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى لِيَصِحَّ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ مِنَ النَّاسِ الْعَمَلَ بِالْمَدْلُولَاتِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا تِلْكَ التَّرَاكِيبُ. وَقَدِ اصْطَلَحَ الْأَشْعَرِيُّ عَلَى تَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْمَدْلُولِ كَلَامًا نَفْسِيًّا وَهُوَ إِرَادَةُ الْمَعَانِي الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ، وَقَدِ اسْتَأْنَسَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الْأَخْطَلِ:
إِنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا
وَأَمَّا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ فَنَقَلَ الْفَخْرُ عَنْهُ كَلَامًا مَزِيجًا مِنْ كَلَامِ الْأَشْعَرِيِّ وَكَلَامِ
الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْبَعْضُ نَقَلَ عَنْهُ مِثْلَ قَوْلِ السَّلَفِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِ النَّقْلِ عَنْهُ هُوَ أَنَّ الْمَاتُرِيدِيَّ تَابَعَ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَبَا حَنِيفَةَ. وَقَدِ اضْطَرَبَ أَتْبَاعُهُ فِي فَهْمِ عِبَارَتِهِ الْوَاقِعَةِ فِي الْعَقِيدَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ الْمُسَمَّاةِ: الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ- إِنْ صَحَّ عَزْوُهَا إِلَيْهِ- إِذْ كَانَتْ عِبَارَةً يَلُوحُ عَلَيْهَا التَّضَارُبُ وَلَعَلَّهُ مَقْصُودٌ. وَتَأْوِيلُهَا بِمَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْأَشْعَرِيِّ هُوَ التَّحْقِيقُ.
وَتَحْقِيقُ هَذَا الْمَقَامِ بِوَجْهٍ وَاضِحٍ قَرِيبٍ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ ثُبُوتَ صِفَةِ الْكَلَامِ لِلَّهِ هُوَ مِثْلَ ثُبُوتِ صِفَةِ الْإِرَادَةِ وَصِفَةِ الْقُدْرَةِ لَهُ تَعَالَى، فِي الْأَزَلِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِاتِّصَافِهِ بِالْإِرَادَةِ فَكَمَا أَنَّ مَعْنَى ثُبُوتِ صِفَةِ الْإِرَادَةِ لِلَّهِ أَنَّهُ تَعَالَى مَتَى تَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِإِيجَادِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، أَوْ بِإِعْدَامِ شَيْءٍ كَانَ مَوْجُودًا، أَنَّهُ لَا يَحُولُ دُونَ تَنْفِيذِ مَا تعلق علمه بإيجاده أَوْ إِعْدَامِهِ حَائِلٌ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ مَانِعٌ، وَمَتَى تَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِإِبْقَاءِ الْمَعْدُومِ فِي حَالَةِ الْعَدَمِ أَوِ الْمَوْجُودِ فِي حَالَةِ الْوُجُودِ، لَا يُكْرِهُهُ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ مُكْرِهٌ. فَكَذَلِكَ ثُبُوتُ الْكَلَامِ لِلَّهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كُلَّمَا تعلق علمه بِأَنَّهُ يَأْمُرَ أَوْ يَنْهَى أَحَدًا لَمْ يَحُلْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.