مِنْ خَلْقِ الْخَلَائِقِ، لَكِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْحِكْمَةَ مِنْ خَلْقِهِمْ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ أَنْ يَعْبُدُوهُ، لِأَنَّ حِكَمَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَفْعَالِهِ كَثِيرَةٌ لَا نُحِيطُ بِهَا، وَذِكْرُ بَعْضِهَا كَمَا هُنَا لما يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُودِ حِكْمَةٍ أُخْرَى، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ حِكَمًا لَلْخَلْقِ غَيْرَ هَذِهِ كَقَوْلِهِ: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨، ١١٩] بَلْهَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ حِكْمَةِ خَلْقِ بَعْضِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَقَوْلِهِ فِي خَلْقِ عِيسَى وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا [مَرْيَم: ٢١] .
ثُمَّ إِنَّ اعْتِرَافَ الْخَلْقِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ يَقْشَعُ تَكْذِيبَهُمْ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ مَا كَذَّبُوهُ إِلَّا لِأَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى نَبْذِ الشِّرْكِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَسَعُ أَحَدًا نَبْذُهُ، فَإِذَا انْقَشَعَ تَكْذِيبُهُمُ اسْتَتْبَعَ انْقِشَاعَهُ امْتِثَالُ الشَّرَائِعِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا آمَنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ أَطَاعُوا مَا بَلَّغَهُمُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ، فَهَذَا مَعْنًى تَقْتَضِيهِ عِبَادَةُ اللَّهِ بِدِلَالَةِ الِالْتِزَامِ، وَذَلِكَ هُوَ مَا سُمِّيَ بِالْعِبَادَةِ بِالْإِطْلَاقِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي السُّنَّةِ فِي نَحْوِ
قَوْلِهِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»
وَلَيْسَ يَلِيقُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِخَلْقِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّ التَّكَالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ تَظْهَرُ فِي بَعْضِ الْأُمَمِ وَفِي بَعْضِ الْعُصُورِ وَتَتَخَلَّفُ فِي عُصُورِ الْفَتَرَاتِ بَيْنَ الرُّسُلِ إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ، وَأَحْسَبُ أَنَّ إِطْلَاقَ الْعِبَادَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى اصْطِلَاحٌ شَرْعِيٌّ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ الْقُرْآنُ لَكِنَّهُ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ كَثِيرًا وَأَصْبَحَ مُتَعَارَفًا بَيْنَ الْأُمَّةِ مِنْ عَهِدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ.
وَأَنَّ تَكَالِيفَ اللَّهِ لِلْعِبَادِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا صَلَاحَهُمُ الْعَاجِلَ وَالْآجِلَ وَحُصُولَ الْكَمَال النفساني بذلك الصَّلَاحِ، فَلَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ مِنَ الشَّرَائِعِ كَمَالَ الْإِنْسَانِ وَضَبْطَ نِظَامِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ فِي مُخْتَلِفِ عُصُورِهِ. وَتِلْكَ حِكْمَةُ إِنْشَائِهِ، فَاسْتَتْبَعَ قَوْلَهُ: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أَنَّهُ مَا خَلَقَهُمْ إِلَّا لِيَنْتَظِمَ أَمْرُهُمْ بِوُقُوفِهِمْ عِنْدَ حُدُودِ التَّكَالِيفِ التَّشْرِيعِيَّةِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَعِبَادَةُ الْإِنْسَانِ رَبَّهُ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا مُحَقِّقَةً لِلْمَقْصِدِ مِنْ خَلْقِهِ وَعِلَّةً لِحُصُولِهِ عَادَةً.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ بِمَعْنَى: إِلَّا لِآمُرَهُمْ وَأَنْهَاهُمْ. وَتَبِعَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الْمَقَاصِدِ مِنْ كِتَابِهِ عُنْوَانِ التَّعْرِيفِ «الْمُوَافَقَاتِ» وَفِي مَحْمِلِ الْآيَةِ عَلَيْهِ نَظَرٌ قَدْ عَلِمْتَهُ فَحَقِّقْهُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.