للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السلام: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ (١)، فصحت من طيب تلاوته، ورخامة صوته، وانتبهت، وإذا عيني المقلوعة صحيحة!.

وقال الزقّاق: " كنت مارّا في تيه بني إسرائيل، فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين (٢) لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف من تحت الشجرة: كل حقيقة لا تتبع الشريعة فهي كفر.

وقال أبو علي الروذباري: دخلت يوما على أبي بكر الزقاق، فرأيته بحالة عجيبة (٣)، فسكتّ ساعة حتى رجع إلي، فقلت له: ما لك أيها الشيخ!؟. فقال: ألم تعلم أني اجتزت بالجيزة ببعض تلك الخوخات، وإذا شخص يغني، يقول:

أبت غلبات الشوق إلا تطربا … إليك ويأتي العذل إلا تحببا

وما كان صدى عنك صدّ ملامة … ولا ذلك الإقبال إلا تقربا

ولا كان ذاك العدل إلا نصيحة … ولا ذلك الإغضاء إلا تهيّبا

عليّ رقيب منك حلّ بمهجتي … إذا رمت تسهيلا عليّ تصعّبا

فما هو إلا أن أنشدني الشيخ حتى صرت فيها مغلوبا لا أدري ما لحقني إلى الساعة، فلما أفقت، قال لي: لا عليك، هكذا من تحقق في بلية لم يخل من البلاء حاضروه، وإنما هو زيادة بلاء صبّ مني عليك، فقمت وتركته.

وقال الزقاق: كنت أبكر يوم الجمعة إلى المسجد الجامع، وأجلس عند الجنيد، فبينا أنا ذات يوم جمعة أمشي إلى المسجد إذا أنا باثنين يقولان: اذهب بنا إلى الجنيد نسأله؟. قال الزقاق: فتبعتهما، حتى دخلا سقاية يتطهران، فرأيت منهما شيئا كرهته لهما، فقلت: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، أخطأت فراستي فيهما، فخرجا، وأنا أتبعهما حتى وقفا على الجنيد، فقال أحدهما: بماذا يرد خاطر الانزعاج؟. وقال الآخر: كلّ باد يعود إلى باديه. فقلت في نفسي: يا ترى ما يفعل هؤلاء؟. فأقبل عليّ الجنيد، وقال: أين المغتاب لنا؟. فقلت في نفسي: علم بي، وتكلّم على خاطري. ثم قال الثانية: أين المغتاب لنا؟. سلنا نجعلك في


(١) سورة الرحمن - الآية ٤٦.
(٢) أي: مغاير، ومفارق.
(٣) كأنه كان في حالة غيبة، أو دهش واصطلام.

<<  <  ج: ص:  >  >>