برقة الآخذة على بلاد السودان من الشرق إلى الغرب حتّى يصب في البحر محيط، والفرقة [٢١] الآخذة على غربيّ الحبشة إلى شرقيّ النّوبة إلى مصر حتّى صبّ في البحر الشاميّ، فعلمنا أن سبب عمارة ما وراء خط الاستواء من الجزر في القسم الشرقيّ، وما هو في حكمها، لاكتناف البحر الهنديّ لها، فرطّب سواءها، وأنبط ماءها، وأزال جفاف أرضها، فنبت بها النبات، وسكن الحيوان، لم يقع في قسم القسم الغربيّ، وراء خط الاستواء بحر يؤثّر فيه هذا التأثير، بقي على كيفيّة طبعه من اليبس والجفاف، لا يمكن به نبات نبات ولا حياة حيوان.
ووجدنا ما هو وراء خط الإقليم السابع، قد أمكنت عمارته بالنبات والحيوان بكيفيّة طبعه، لا بسبب آخر من خارج، فظهر حينئذ أنّ الشمال أوفق لمزاج الحيوان، فكان أعمر من الجنوب، لشدّة حر الجنوب على ما بيّناه، وهو موافق لرأي الشريف.
قال الشريف (١): «لا يكون الحيوان والنبات أبدا، إلّا حيث تكون المياه والرطوبات».
وقال البكري (٢): «وركّب الله على الأرض جرم الشمس، لعلمه بالحكمة التي ينبغي أن يكون عليها تركيب العالم في فلك أخرج مركزه عن مركز الأرض بدرجتين ونصف من درج فلك البروج، فلذلك اختلفت حركة الشمس، فمحا مزاج جوهر الهواء المحيط بالناحية الجنوبية، فكان الجزء المعمور في الناحية الشمالية، إذ كان كل حيوان - بطبعه - أحمل للبرد منه للحرّ، ألا ترى أنه يتولّد في الماء من الحيوان ما لا يحصى كثرة، وكذلك من النبات، ولا يكون في النار
(١) نزهة المشتاق ١/ ٨. (٢) المسالك والممالك ١/ ١٨٨ (ما عدا الجملة بين القوسين).