المهدي المبشّر به، وذلك سنة [ص ٤٠] خمس عشرة وخمس مائة، فلما صعد الجبل رأى زرقة في أبنائهم، فقال: من أين هذه الزرقة في بنيكم؟ قالوا علوج ابن تاشفين، تأتينا فتأخذ النساء وتنهب الأموال، فقبّح هذا وأكبره، وأمرهم بمنع ما كانوا يؤدونه، وقتل من أبى منهم، وظهرت على يده خوارق، يقول أولياؤه إنها كرامات، ويقول أعداؤه إنها مخاريق ميز في أهل الجبل المنافقين، وقال: قد عرّف بهم، يعني يكشف، ثم أخذ يضرب عنق كل متلو عليه فيشتد له أمر الجبل، وطفق يغزو بهم بلاد ابن تاشفين، وكانت عليه أول مرة، فطيّب قلوب أصحابه، وعرّفهم أن الكرّة لهم.
قلت: وله التصانيف المفيدة النافعة لمن تعلم الجامعة، في بعضها محاسن ما تقدم، واستفسد بالغرب أمما، بل استصلح واستبهم أمره بالكتمان حتى استصبح، ثم حارب لمتونة (١)، واستحوذ على ملكهم بلا مؤونة، لكنه مات وما فتح بلدا شهيرا، ولا معقلا منيعا اتخذه ظهيرا، وكان قد عهد إلى عبد المؤمن بن علي القيسي الكومي (٢)، وكان أخص أصحابه المعتبرة لصحابته، وأقرب
(١) قبيلة من قبائل المغرب. (٢) عبد المؤمن بن علي بن مخلوف بن يعلى بن مروان: أبو محمد الكومي، أمير المؤمنين، مؤسس دولة الموحدين في المغرب وإفريقية وتونس، نسبة إلى كومية من قبائل البربر، ولد ونشأ في تاجرت قرب تلمسان، وطلب العلم، وحج والتقى بابن تومرت فتصادقا، ولما ولي ابن تومرت ملك المغرب الأقصى جعل لعبد المؤمن قيادة جيشه، واختصه بثقته، ولما توفي ابن تومرت اتفق أصحابه على خلافة عبد المؤمن، فتم له الأمر سنة ٥٢٤ هـ، ودعي بأمير المؤمنين سنة ٥٢٦ هـ، ونهض للغزو والفتوح فقاتل الملثمين (بني تاشفين) وقتل آخرهم إبراهيم بن تاشفين، ودخل مراكش وجاءته بيعة أهل الأندلس، كان عاقلا حازما شجاعا موفقا، محبا للغزو والفتوح، عظيم الاهتمام بشؤون الدين، خضع له المغربان الأقصى والأوسط، توفي في رباط سلا في طريقه إلى الأندلس مجاهدا سنة ٥٥٨ هـ. (ابن خلدون ٦/ ٢٢٩، الاستقصاء ١/ ١٣٩، ابن الأثير ١٠/ ٢٠١، ١١/ ٢٠٩، ابن خلكان ١/ ٣١٠، الحلل الموشية ص ١٠٧ - ١١٩، الخلاصة النقية ص ٥٥)