في القرض، بويع بالأحساء يوم موت أبيه، ثم جددت له البيعة سنة سبع عشرة وثلاث مائة، وكان أظلم وأغشم وأجور وأفسق ممن تقدّمه، ولم يزل يطوي البلاد طيّا، يقتل ويسبي وينهب إلى أن صار من بغداد على ستة أميال، فخافه أهلها، ثم دخل، فدخل الرحبة وغيرها من البلاد الفراتية سنة خمس عشرة وثلاث مائة،
ثم عاود ما وراءه من البلاد فدمّرها وأخذ منها [ص ٨٨] أموالا عظيمة، أوسق (١) منها مائتين من الإبل وأوقرها ثم دخل مكة المعظمة سنة سبع عشرة وثلاث مائة، فقتل في الحرم وجوانب مكة من الحاج وغيرهم زهاء ثلاثين ألفا، واستحر القتل في الشعاب وقنن الجبال، وبطون الأودية والظواهر، حتى قتل أكثر من مائة ألف، وسبى النساء والصبيان، وردم زمزم بجثث ورؤوس القتلى، وفرش المسجد بأجسادهم، وأخلى جمعا ومعرّفا ومكة، حتى لم يكن من الحجون إلى الصفا (٢)، ووقف على الكعبة وأنشد:
= الكوفة سنة ٣١٢ هـ فأقام ستة أيام، حمل فيها ما استطاع رجاله أن يحملوه من أموال، وضج الناس خوفا من شره، فسيّر الخليفة لقتاله جيشا كبيرا، فشتته القرمطي واستولى على الرحبة وربض الرقة، ودعا إلى (المهدي)، وأغار على مكة يوم التروية سنة ٣١٧ هـ والناس محرمون، فاقتلع الحجر الأسود، وأرسله إلى هجر، (أخذ الحجر الأسود إلى هجر سنة ٣١٧، وأعيد إلى الكعبة سنة ٣٣٩ هـ) ونهب أموال الحجاج وقتل كثيرين منهم، قيل: بلغ قتلاه في مكة ثلاثين ألفا، وكان يصيح على عتبة الكعبة: أنا بالله وبالله أنا … يخلق الخلق وأفنيهم أنا وعرّى البيت الحرام، وأخذ بابه، وردم زمزم بالقتلى، وعاد إلى هجر فألهه بعض أصحابه، وقال قوم منهم إنه المسيح، ومات كهلا بالجدري في هجر سنة ٣٣٢ هـ. (ابن الأثير ٨/ ٢٧، ٤٥، ٤٩، ٥٣، ٥٦، ٦٥، النجوم الزاهرة ٣/ ٢٢٥، فوات الوفيات ١/ ١٧٥) (١) أوسق: حملها الوسق، والوسق: مكيلة معلومة، وهي ستون صاعا. (٢) الحجون: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها، وقال السكرى: مكان من البيت على ميل -