الْقَضَاءِ بِمَا يَكُونُ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ سَبَبَيْنِ ; لِأَنَّ الْوَاقِعَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ هُوَ مَا جَرَى بِهِ الْقَضَاءُ، وَمِنْهُ نَعْلَمُ أَنَّ سُنَّةَ اللهِ فِي الْحَرَكَةِ غَيْرُ سُنَّتِهِ فِي السُّكُونِ، وَسُنَنُ اللهِ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تُنْقَضُ، وَكَوْنُهُمَا كَذَلِكَ يُنَاقِضُ كَوْنَهُمَا سَبَبَيْنِ، وَلَوْ كَانَ قَضَاءُ اللهِ - تَعَالَى - كَمَا زَعَمَ الشَّاعِرُ الْجَاهِلُ لَمَا قَالَ - تَعَالَى -: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [٦٧: ١٥] وَلَمَا قَالَ: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ [٦٢: ١٠] وَالْمَشْيُ وَالِانْتِشَارُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَرَكَةِ لَا مِنَ السُّكُونِ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْجَهْلِ فِي الْبَيْتِ الثَّانِي أَبْعَدُ عَنِ الصَّوَابِ مِمَّا فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ قَاسَ حَيَاةَ الرَّجُلِ الْعَاقِلِ الْقَادِرِ عَلَى حَيَاةِ الْجَنِينِ، وَسُنَّةُ اللهِ فِيهِمَا مُخْتَلِفَةٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْقِيَاسُ لَصَحَّ أَيْضًا قِيَاسُ الْإِنْسَانِ عَلَى النَّبَاتِ مِنْ نَجْمٍ وَشَجَرٍ ; فَإِنَّ غِذَاءَ الْجَنِينِ أَشْبَهُ بِغِذَاءِ النَّبَاتِ مِنْهُ بِغِذَاءِ الْحَيَوَانِ. فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِاسْمِ الْجُنُونِ؟ أَمَّنَ يَقُولُ إِنَّ سُنَّةَ اللهِ فِي الْجَنِينِ يَتَكَوَّنُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ كَسُنَّتِهِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي بَلَغَ أَشُدَّهُ وَجَعَلَ لَهُ اللهُ رِجْلَيْنِ يَمْشِي بِهِمَا وَيَدَيْنِ يَبْطِشُ بِهِمَا وَسَمْعًا وَبَصَرًا يَسْمَعُ بِهِمَا وَيُبْصِرُ، وَعَقْلًا بِهِ يُفَكِّرُ وَيُدَبِّرُ؟ أَمْ مَنْ يَقُولُ إِنْ سُنَّتَهُ - تَعَالَى - فِيهِمَا مُخْتَلِفَةٌ؟
هَذَا وَإِنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ فِي الْكَسْبِ حُجَّةٌ عَلَى كَوْنِ التَّوَكُّلِ لَا يُنَافِي الْعَمَلَ وَالسَّعْيَ لِلدُّنْيَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ الْآيَاتِ فِي ذَلِكَ وَمِنْهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [١١: ٦١] وَقَوْلُهُ: وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ [١٥: ٢٠] وَقَوْلُهُ: وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [٧٨: ١١] وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خَيْرُ الْكَسْبِ كَسْبُ الْعَامِلِ إِذَا نَصَحَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، والْبَيْهَقِيُّ وَالدَّيْلَمِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ: كَسْبُ يَدِ الْعَامِلِ وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: التَّاجِرُ الصَّدُوقُ
يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَحَسَّنَهُ. وَلِابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ قَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَقْعُدْ أَحَدُكُمْ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ وَيَقُولُ: اللهُمَّ ارْزُقْنِي فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً " وَقَالَ أَيْضًا: " مَا مِنْ مَوْضِعٍ يَأْتِينِي الْمَوْتُ فِيهِ أَحَبُّ عَلَيَّ مِنْ مَوْطِنٍ أَتَسَوَّقُ فِيهِ لِأَهْلِي أَبِيعُ وَأَشْتَرِي " ذَكَرَهُمَا فِي الْقُوتِ وَالْأَحْيَاءِ. كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَطَلْحَةُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - تُجَّارًا حَتَّى إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَصْبَحَ غَادِيًا إِلَى السُّوقِ وَعَلَى رَقَبَتِهِ أَثْوَابٌ يَتَّجِرُ بِهَا فَلَقِيَهُ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ السُّوقَ. قَالَا: تَصْنَعُ مَاذَا وَقَدْ وُلِّيتَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ أُطْعِمُ عِيَالِي؟ فَهَلْ كَانَ غَيْرَ مُتَوَكِّلٍ؟ ثُمَّ إِنَّ الصَّحَابَةَ فَرَضُوا لَهُ مَا يَكْفِيهِ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ الْكَسْبِ وَلَمْ يَقُولُوا لَهُ: تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَهُوَ يَرْزُقُكَ بِغَيْرِ عَمَلٍ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.