وَقَدْ بَلَغَ مِنْ تَوَكُّلِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنْ كَانَ يُسَلِّي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ وَيُخَفِّفُ عَنْهُ، فَفِي السِّيرَةِ الْهَاشِمِيَّةِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَّلَ الصُّفُوفَ يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْعَرِيشِ الَّذِي بَنَوْهُ لَهُ فَدَخَلَهُ وَمَعَهُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَيْسَ مَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَرَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَاشِدُ رَبَّهُ مَا وَعَدَهُ مِنَ النَّصْرِ وَيَقُولُ فِيمَا يَقُولُ: اللهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ الْيَوْمَ لَا تُعْبَدُ، وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللهِ بَعْضُ مُنَاشَدَتِكَ رَبَّكَ فَإِنَّ اللهَ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ " وَالْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَا يُنْبِئُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَوْمَئِذٍ فِي مَقَامِ الْخَوْفِ، وَأَنَّ الصِّدِّيقَ كَانَ وَادِعًا مُطْمَئِنًّا، وَلَعَلَّهُ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لِتَسْلِيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ يَتَوَهَّمُ ضَعِيفُ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَنْبَغِي رَفْضُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ مَعْنَاهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَشَدَّ تَوَكُّلًا وَثِقَةً بِوَعْدِ اللهِ مِنْ رَسُولِهِ الْأَكْرَمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ الدَّلَالَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بُعْدُ مَا بَيْنَ دَرَجَةِ النَّبِيِّ الْعُلْيَا فِي التَّوَكُّلِ وَدَرَجَةِ صَاحِبِهِ الْعَالِيَةِ فِيهِ مِمَّا وَرَدَ فِي الْهِجْرَةِ الشَّرِيفَةِ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [٩: ٤٠] فَهَذَا مَقَامُ التَّوَكُّلِ
وَهَذَا أَثَرُهُ، وَمَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ إِلَّا أَعْلَى إِيمَانًا وَتَوَكُّلًا ; لِأَنَّهُ كَانَ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ إِيمَانًا وَعِلْمًا بِرَبِّهِ وَبِسُنَّتِهِ فِي خَلْقِهِ كَمَا كَانَ يَدْعُوهُ بِأَمْرِهِ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [٢٠: ١١٤] وَإِنَّمَا ظَهَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ حَالٍ بِمَا يَلِيقُ بِهَا ; فَفِي يَوْمِ الْهِجْرَةِ كَانَ خَارِجًا مِنْ قَوْمٍ بَالَغُوا فِي إِيذَائِهِ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يَكْفِي لِمُقَاوَمَتِهِمْ وَمُدَافَعَتِهِمْ، وَالْعَرَبُ كُلُّهَا إِلْبٌ وَاحِدٌ مَعَ قَوْمِهِ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ التَّوَكُّلِ الْكَامِلِ ; لِأَنَّهُ مَقَامُ الْعَجْزِ عَنِ الْأَسْبَابِ بِالْمَرَّةِ ; وَلِذَلِكَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَادِعًا سَاكِنًا، وَكَانَ الصِّدِّيقُ - عَلَى رَجَائِهِ وَتَوَكُّلِهِ - مُضْطَرِبًا، وَفِي يَوْمِ بَدْرٍ كَانَ قَادِرًا عَلَى اتِّخَاذِ الْأَسْبَابِ لِمُقَاوَمَةِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ الَّذِينَ زَحَفُوا عَلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ، فَكَانَ التَّوَكُّلُ فِيهِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ اتِّخَاذِ كُلِّ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْأَسْبَابِ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْجَأِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الدُّعَاءِ وَمُنَاشَدَةِ رَبِّهِ الْمَعُونَةَ وَالنَّصْرَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ فَعَلَ كُلَّ مَا أَمْكَنَ مِنَ الْأَسْبَابِ مَعَ الْمُشَاوَرَةِ وَاتِّبَاعِ رَأْيِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مُقَصِّرًا فِيمَا يَجِبُ مِنَ الْأَسْبَابِ فَيَفُوتُ النَّصْرُ لِذَلِكَ فَلَجَأَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُمْ لَمَّا قَصَّرُوا فِي الْأَسْبَابِ يَوْمَ أُحُدٍ حَلَّ بِهِمْ وَبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا هُوَ مَعْلُومٌ - وَقَدْ ذُكِرَ مُفَصَّلًا فِي تَفْسِيرِ آيَاتِ هَذَا السِّيَاقِ - وَالصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لَمْ يَصِلْ عِلْمُهُ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.