فِي شِرَاءِ الرَّاحِ، بِبَذْلِ الْأَنْفُسِ فِي الْكِفَاحِ; لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ سُرُورَ الطَّرَبِ وَفِي الثَّانِي سُرُورَ الظَّفَرِ، وَكَذَا هُنَا أُوثِرُ الضُّرَّ لِمُنَاسَبَتِهِ مَا قَبْلَهُ مِنَ التَّرْهِيبِ، فَإِنَّ انْتِقَامَ الْعَظِيمِ عَظِيمٌ، ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ الْإِحْسَانَ أَتَى بِمَا يَعُمُّ أَنْوَاعَهُ، وَالْآيَةُ مِنْ قَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ، فَإِنَّ مَسَّ الضُّرِّ نَاظِرٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنِّي أَخَافُ) إِلَخْ. وَمَسَّ الْخَيْرِ نَاظِرٌ إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ) إِلَخْ.
(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) فَسَّرَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْقَهْرَ بِالْغَلَبَةِ وَالْأَخْذِ مِنْ فَوْقٍ وَبِالْإِذْلَالِ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: الْقَهْرُ الْغَلَبَةُ وَالتَّذْلِيلُ مَعًا وَيُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَ إِثْبَاتِ كَمَالِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِيمَا قَبْلَهَا
تُثْبِتُ لَهُ جَلَّ وَعَلَا كَمَالَ السُّلْطَانِ وَالتَّسْخِيرِ لِجَمِيعِ عِبَادِهِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَمَالِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ الْمُحِيطِ بِخَفَايَا الْأُمُورِ، لِيُرْشِدَنَا إِلَى أَنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِنْهُمْ وَلِيًّا مِنْ دُونِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا لِإِشْرَاكِهِ وَمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الرَّبِّ الْقَاهِرِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ الْحَكِيمِ الْخَبِيرِ، وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمَرْبُوبِ الْمَقْهُورِ الْمُذَلَّلِ الْمُسَخَّرِ الَّذِي لَا حَوْلَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. فَإِذَا كَانَ هَكَذَا شَأْنُ الرَّبِّ وَهَذِهِ صِفَاتُهُ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ بِهِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلِيًّا مِنْ عِبَادِهِ الْمَقْهُورِينَ تَحْتَ سُلْطَانِ عِزَّتِهِ، الْمُذَلَّلِينَ لِسُنَنِهِ الَّتِي اقْتَضَتْهَا حِكْمَتُهُ وَعِلْمُهُ بِتَدْبِيرِ الْأَمْرِ فِي خَلْقِهِ، لِأَنَّ أَفْضَلَ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَكْمَلَهُمْ مُسَاوُونَ لِغَيْرِهِمْ فِي الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وَالذُّلِّ لَهُ، وَكَوْنِهِمْ لَا حَوْلَ لَهُمْ وَلَا قُوَّةَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ مِنْ خَصَائِصِ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي خَلْقِهِ وَلَا فِي كَوْنِهِ يُدْعَى مَعَهُ وَلَا وَحْدَهُ لِكَشْفِ ضُرٍّ وَلَا جَلْبِ نَفْعٍ (فَلَا تَدْعُوَا مَعَ اللهِ أَحَدًا) (٧٢: ١٨) (بَلِ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ) (٦: ٤١) (قُلِ ادْعُوَا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلَا) (١٧: ٥٦) إِلَخْ.
وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ جَرِيرٍ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: وَاللهُ الْغَالِبُ عِبَادَهُ الْمُذِلُّ لَهُمُ الْعَالِي عَلَيْهِمْ بِتَذْلِيلِهِ لَهُمْ وَخَلْقِهِ إِيَّاهُمْ فَهُوَ فَوْقَهُمْ بِقَهْرِهِ إِيَّاهُمْ وَهُمْ دُونَهُ، وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي عُلُوِّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَقَهْرِهِ إِيَّاهُمْ بِقُدْرَتِهِ وَسَائِرِ تَدْبِيرِهِ، الْخَبِيرُ بِمَصَالِحِ الْأَشْيَاءِ وَمَضَارِّهَا، الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ عَوَاقِبُ الْأُمُورِ وَبِوَادِيهَا، وَلَا يَقَعُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلَلٌ، وَلَا يَدْخُلُ حِكْمَتَهُ دَخَلٌ اهـ.
وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْأَشَاعِرَةُ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (فَوْقَ عِبَادِهِ) تَصْوِيرٌ لِقَهْرِهِ وَعُلُوِّهِ بِالْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ. صَرَّحَ بِذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَتَبِعَهُ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ، كَالْبَيْضَاوِيِّ بِنَقْلِ عِبَارَتِهِ بِنَصِّهَا، وَبَعْضُهُمْ، كَالرَّازِيِّ، بِنَقْلِهَا وَإِطَالَةِ الدَّلَائِلِ النَّظَرِيَّةِ بِإِثْبَاتِ مَضْمُونِهَا، وَمَنْعِ إِرَادَةِ فَوْقِيَّةِ الذَّاتِ وَإِطْلَاقِ صِفَةِ الْعُلُوِّ عَلَى اللهِ، إِذْ جَعَلَ ذَلِكَ قَوْلًا بِتَحَيُّزِ الْبَارِي فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَأَطَالَ فِي سَرْدِ الدَّلَائِلِ النَّظَرِيَّةِ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ، وَلَفْظُ الْآيَةِ لَا يَأْبَى مَا فَسَّرَهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.