(٤: ٥٩) الْآيَةَ. وَقَدْ بَيَّنَّا نُصُوصَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي مَسْأَلَةِ آبَاءِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَلَامِ بَعْضِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ فِي الْأَخْذِ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَكُلُّ مَا خَالَفَهَا فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَلَيْسَ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ.
هَذَا وَإِنَّنِي بَعْدَ كِتَابَةِ مَا تَقَدَّمَ وَجَمْعِهِ لِلطَّبْعِ عَثَرْتُ بِالْمُصَادَفَةِ عَلَى مَا كَتَبَهُ الْأَلُوسِيُّ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِغْفَارِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ، فَإِذَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ هَفْوَتِهِ الَّتِي نَقَلْنَاهَا عَنْهُ وَانْتَقَدْنَاهَا عَلَيْهِ، وَحَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى مُرَاجَعَةِ مَا كَتَبَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ، فَإِذَا هُوَ مِثْلُ الَّذِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ فِي بِنَائِهِ عَلَى أَنَّ آزَرَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ، وَأَنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِعِلْمِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ فِي الْفَهْمِ، وَهَذَا شَأْنُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ؛ إِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ قَوْلًا ثُمَّ كَانَ الدَّلِيلُ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، وَهُوَ مِنَ الْخَطَأِ الَّذِي يَغْفِرُهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُخْلِصِينَ الْأَوَّابِينَ، بَلْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، أَيْ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، أَيْ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ وَأَجْرُ الْإِصَابَةِ، وَهَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ اتِّقَاءَ الِاغْتِرَارِ بِقَوْلِ أَيِّ عَالِمٍ خَالَفَ النَّصَّ أَوْ مَا اشْتَهَرَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَوَفَّقَنَا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ.
(تَفْسِيرُ الْآيَاتِ)
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً) هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ (قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ) وَمَا فِي حَيِّزِهَا - وَهُوَ آخِرُ حِجَاجِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْعَقَائِدِ مَبْدُوءٌ بِالْأَمْرِ الْقَوْلِيِّ، وَسَيُعَادُ هَذَا الْأُسْلُوبُ فِي السُّورَةِ حِجَاجًا فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ أَيْضًا - وَالظَّرْفُ فِيهَا مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ عُهِدَ حَذْفُهُ، تَقْدِيرُهُ " اذْكُرْ " أَيْ: وَاذْكُرْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَقَّنَّاكَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحُجَجِ عَلَى بُطْلَانِ شِرْكِهِمْ وَضَلَالِهِمْ فِي عِبَادَةِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، وَمِنْ بَيَانِ هَدْيِ اللهِ تَعَالَى وَالْإِسْلَامِ لَهُ - اذْكُرْ لَهُمْ عَقِبَ هَذَا - قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ جَدِّهِمُ الَّذِي يَجْعَلُونَ وَيَدَعُونَ اتِّبَاعَ مِلَّتِهِ، حِينَ قَالَ لِأَبِيهِ آزَرَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ شِرْكَهُمْ: أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً تَعْبُدُهَا مِنْ دُونِ اللهِ الَّذِي خَلَقَكَ وَخَلَقَهَا، وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ مِنْ دُونِهَا! (إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) الضَّلَالُ الْعُدُولُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا الْعَاقِلُ مِنْ سَيْرِهِ الْحِسِّيِّ
أَوِ الْمَعْنَوِيِّ، وَغَايَةُ الدِّينِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ بِمَعْرِفَةِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ، وَمَا شَرَعَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْآدَابِ لِلْفَوْزِ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ. وَأَمَّا عِبَادَةُ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى - وَلَوْ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ - فَهُوَ مُدِسٌّ لِلنَّفْسِ مُفْسِدٌ لَهَا، فَلَا يُوصِلُهَا إِلَّا إِلَى الْهَلَاكِ الْأَبَدِيِّ. وَالتَّعْبِيرُ عَنْهَا بِالضَّلَالِ لَيْسَ فِيهِ سَبُّ وَلَا جَفَاءٌ وَلَا غِلْظَةٌ كَمَا زَعَمَ مَنِ اسْتَشْكَلَهُ مِنَ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ، وَقَابَلَهُ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى لِمُوسَى وَهَارُونَ أَنْ يَقُولَا لِفِرْعَوْنَ قَوْلًا لَيِّنًا، وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَسَنٌ لِلْمَصْلَحَةِ، كَالشِّدَّةِ فِي تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.