بِطُولِهَا لِمُنَاسِبَةِ آخِرِهَا لِخَاتِمَةِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ السُّورِ الطُّوَالِ وَالْمَائِدَةُ آخَرُ مَا نَزَلَ مِنْهَا. وَإِذْ عَلِمْنَا حِكْمَةَ الْإِخْبَارِ وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَلَا مَجَالَ بَعْدُ لِتَوَهُّمِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ، وَلَا أَنَّ مِلَّتَهُ أَكْمَلُ، إِذْ لَيْسَ هَذَا بِمُنَافٍ وَلَا بِمُعَارِضٍ لِنَصِّ آيَةِ إِكْمَالِ الدِّينِ، وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَى الْعَالَمِينَ، عَلَى لِسَانِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.
(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هَذَا بَيَانٌ إِجْمَالِيٌّ لِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ بِالْعَمَلِ، بَعْدَ بَيَانِ أَصْلِ التَّوْحِيدِ الْمُجَرَّدِ بِالْإِيمَانِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ جِنْسُهَا الشَّامِلُ لِلْمَفْرُوضِ وَالْمُسْتَحَبِّ، وَالنُّسُكُ فِي الْأَصْلِ الْعِبَادَةُ أَوْ غَايَتُهَا وَالنَّاسِكُ الْعَابِدُ، وَيَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فِي عِبَادَةِ الْحَجِّ وَعِبَادَةِ الذَّبَائِحِ وَالْقَرَابِينِ فِيهِ أَوْ مُطْلَقًا. وَفُسِّرَ بِالْوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حِكَايَةِ دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) (٢: ١٢٨) وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) (٢: ٢٠٠) فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عِبَادَاتُ الْحَجِّ كُلُّهَا، كَمَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَخْصِيصِ النُّسُكِ بِبَعْضِ الذَّبَائِحِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (٢: ١٩٦) فَالنُّسُكُ فِي هَذِهِ الْفِدْيَةِ ذَبْحُ شَاةٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (٢٢: ٣٤) قَدْ عَيَّنَ التَّعْلِيلَ وَالسِّيَاقَ كَوْنَ الْمُرَادِ بِالنُّسُكِ هُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أَوِ اسْمُ الْمَكَانِ الَّذِي تُذْبَحُ فِيهِ الْقَرَابِينُ أَوَتُنْحَرُ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ تَعَالَى وَبَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ آيَاتٌ أُخْرَى فِي ذَلِكَ خَاصَّةً. وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ آيَاتٍ أُخْرَى مِنْهَا: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ) (٢٢: ٦٧) فَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعَمُّ
مَا وَرَدَ مِنْ هَذَا الْحَرْفِ فِي الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الدِّينِ أَوِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ مَا قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَكِنْ رُوِيَ تَفْسِيرُهُ فِي الْمَأْثُورِ بِالذَّبْحِ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْعِيدِ. وَحَقَّقَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ النَّاسُ لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمِنْ هُنَا أُطْلِقَ عَلَى مَشَاعِرِ الْحَجِّ وَمَعَاهِدِهِ وَعَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَ فِيهَا لِلْأَصْنَامِ كَالنُّصُبِ.
وَأَمَّا الْمَأْثُورُ فِي تَفْسِيرِ: (نُسُكِي) هُنَا فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: ذَبِيحَتِي، وَعَنْ قَتَادَةَ: حَجَّتِي وَمَذْبَحِي. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ضَحِيَّتِي، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ذَبِيحَتِي فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ: يَعْنِي الْحَجَّ. وَلَا يُنَافِي تَنَافِي تَفْسِيرِهِ بِالذَّبِيحَةِ الدِّينِيَّةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ فِدْيَةً أَوْ أُضْحِيَّةً فِي الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ التَّضْحِيَةِ: " إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ صِلَاتِي وَنُسُكِي - إِلَى قَوْلِهِ - أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " الْحَدِيثُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.