الْحَلَالِ، وَمَا ذُكِرَ فِي التَّفْصِيلِ فِي الْإِنْكَارِ يُذَكِّرُ الْمُفَكِّرَ الْمُسْتَقِلَّ بِأَنَّ مَا قَالُوهُ عَيْنُ الْجَهْلِ، وَهُوَ مَا انْفَرَدْنَا بِبَيَانِهِ آنِفًا.
وَقَوْلُهُ: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا) بَعْدَ تَعْجِيزِهِمْ عَنِ الْإِتْيَانِ بِعِلْمٍ يُؤْثَرُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِ اللهِ بِتَحْرِيمِ مَا زَعَمُوا، أَلْزَمَهُمْ هُنَا ادَّعَاءَ تَحْرِيمِ اللهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِمْ بِوَصِيَّةٍ سَمِعُوهَا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ عَنِ اللهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِرِوَايَةِ رَسُولٍ لَهُ يُخْبِرُ بِوَصِيَّةٍ عَنْهُ، أَوْ يُتَلَقَّى ذَلِكَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِغَيْرِ وَاسِطَةِ رَسُولٍ، وَالشُّهَدَاءُ هُمُ الْحُضُورُ الْمُشَاهِدُونَ لِلشَّيْءِ وَهُوَ جَمْعُ شَهِيدٍ. وَالْمَعْنَى: أَعِنْدَكُمْ عِلْمٌ يُؤْثَرُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِ اللهِ فَنَبَّئُونِي بِهِ، أَمْ شَاهَدْتُمْ رَبَّكُمْ فَوَصَّاكُمْ بِهَذَا التَّحْرِيمِ كِفَاحًا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ؟ وَهُمْ لَا يَدَّعُونَ هَذَا وَلَا ذَاكَ وَإِنَّمَا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ بِدَعْوَى التَّحْرِيمِ افْتِرَاءً مُجَرَّدًا مِنْ كُلِّ عِلْمٍ، وَيُقَلِّدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا وَاقْتِرَافِ كُلِّ مَا اقْتَرَفُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا
بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (٧: ٢٨) وَالِاسْتِفْهَامُ الْإِنْكَارِيُّ هُنَا يَتَضَمَّنُ التَّهَكُّمَ بِهِمْ، إِذْ كَانُوا بِعَدَمِ اتِّبَاعِ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِ اللهِ كَالْمُدَّعِينَ عَلَى إِنْكَارِهِمْ لِلرِّسَالَةِ بِأَنَّهُمْ يُشَاهِدُونَ اللهَ وَيَتَلَقَّوْنَ مِنْهُ أَحْكَامَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمَا اسْتَبْعَدَتْهُ أَنْظَارُهُمُ السَّقِيمَةُ مِنَ الْوَحْيِ أَقْرَبُ مِنْ هَذَا الَّذِي يَقَعُونَ فِيهِ بِإِنْكَارِهِمْ لَهُ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ: (مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) (٩١) وَإِلَّا لَزِمَهُمُ الِافْتِرَاءُ عَلَى اللهِ تَعَالَى لِإِضْلَالِ عِبَادِهِ وَهُوَ أَشَدُّ الظُّلْمِ الَّذِي يَجْنِيهِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى تَعْقِيبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) أَيْ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةُ بِهِ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا بِتَحْرِيمِ مَا لَمْ يُشَرِّعْهُ وَشَرْعِ مَا لَمْ يُشَرِّعْهُ، لِيُضِلَّ النَّاسَ بِهِ بِحَمْلِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِهِ فِيِهِ مَعَ نِسْبَتِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عِلْمِ مَا يَكُونُ حُجَّةً لَهُ فِيهِ. وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ وَالْمَعْنَى لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْكُمْ لِأَنَّكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللهِ بِقَصْدِ الْإِضْلَالِ عَنْ جَهْلٍ عَامٍّ تَامٍّ. فَالْعِلْمُ الْمَنْفِيُّ يَشْمَلُ مَا يُؤْثَرُ أَوْ يُعْقَلُ وَيُسْتَنْبَطُ كَالنَّظَرِ الْعَقْلِيِّ وَالتَّجَارِبِ الْعَمَلِيَّةِ، وَطُرُقِ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ وَالشُّرُورِ وَالْمَضَارِّ وَتَقْدِيرِ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ وَعَمَلِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَنْكِيرُهُ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ كَلِمَةِ غَيْرِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا حِكْمَةُ نَفْيِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ فِي أَمْرِ التَّشْرِيعِ الدِّينِيِّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَصْدَرٌ غَيْرُ وَحْيِ اللهِ وَرُسُلِهِ؟ قُلْنَا: هِيَ تَسْجِيلُ الْجَهْلِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِمْ عَامَّةً. وَسُوءُ النِّيَّةِ عَلَى مُفْتَرِي ذَلِكَ لَهُمْ خَاصَّةً بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ، وَلَا قَصْدٌ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْهُدَى إِلَى حَقٍّ أَوْ خَيْرٍ، وَتَسْجِيلُ الْغَبَاوَةِ وَعَمَى الْبَصِيرَةِ عَلَى مُتَّبِعِيهِ بِمَحْضِ التَّقْلِيدِ مِنْ غَيْرِ عَقْلٍ وَلَا هُدًى.
وَقَدْ وُجِدَ فِي الْبَشَرِ أُنَاسٌ آخَرُونَ تَفَكَّرُوا وَبَحَثُوا فِي الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَمَا يَجِبُ أَنْ يُشْكَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ تَعَبُّدًا مِنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَفِعْلِ الْخَيْرَاتِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا الْعَقْلُ، وَفِيمَا يَنْبَغِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.