لَوْحِ الْقَلْبِ فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِهَذَا الطَّرِيقِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ جَاوَزَ عَالَمَ الْجَبَرُوتِ - أَيْ عَالَمَ الصِّفَاتِ الْبَشَرِيَّةِ - وَقَرَعَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْمَلَكُوتِ كُوشِفَ بِالْقَلَمِ، أَمَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ كُوشِفَ بِالْقَلَمِ، إِذْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانِ
مَا لَمْ يَعْلَمْ) (٩٦: ٣ - ٥) فَقَالَ السَّالِكُ: لَقَدْ فَتَحْتُ بَصَرِي، وَحَدَّقْتُهُ، فَوَاللهِ مَا أَرَى قَصَبًا وَلَا خَشَبًا، وَلَا أَعْلَمُ قَلَمًا إِلَّا كَذَلِكَ. فَقَالَ الْقَلَمُ: لَقَدْ أَبْعَدْتَ النُّجْعَةَ، أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ مَتَاعَ الْبَيْتِ يُشْبِهُ رَبَّ الْبَيْتِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا تُشْبِهُ ذَاتُهُ سَائِرَ الذَّاتِ، فَكَذَلِكَ لَا تُشْبِهُ يَدُهُ الْأَيْدِيَ وَلَا قَلَمُهُ الْأَقْلَامَ، وَلَا كَلَامُهُ سَائِرَ الْكَلَامِ، وَلَا خَطُّهُ سَائِرَ الْخُطُوطِ، وَهَذِهِ أُمُورٌ إِلَهِيَّةٌ مِنْ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، فَلَيْسَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ بِجِسْمٍ وَلَا هُوَ فِي مَكَانٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَا يَدُهُ لَحْمٌ وَعَظْمٌ وَدَمٌ بِخِلَافِ الْأَيْدِي وَلَا قَلَمُهُ مِنْ قَصَبٍ، وَلَا لَوْحُهُ مِنْ خَشَبٍ، وَلَا كَلَامُهُ بِصَوْتٍ وَحَرْفٍ، وَلَا خَطُّهُ رَقْمٌ وَرَسْمٌ، وَلَا حِبْرُهُ زَاجٌ وَعَفْصٌ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تُشَاهِدُ هَذَا هَكَذَا فَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُخَنَّثًا بَيْنَ فُحُولَةِ التَّنْزِيهِ وَأُنُوثَةِ التَّشْبِيهِ، مُذَبْذَبًا بَيْنَ هَذَا وَذَاكَ، لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ، فَكَيْفَ نَزَّهْتَ ذَاتَهُ وَصِفَاتَهُ تَعَالَى عَنِ الْأَجْسَامِ وَصِفَاتِهَا، وَنَزَّهْتَ كَلَامَهُ عَنْ مَعَانِي الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ، وَأَخَذْتَ تَتَوَقَّفُ فِي يَدِهِ وَقَلَمِهِ وَلَوْحِهِ وَخَطِّهِ؟ فَإِنْ كُنْتَ قَدْ فَهِمْتَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ " الصُّورَةَ الظَّاهِرَةَ الْمُدْرَكَةَ بِالْبَصَرِ فَكُنْ مُشَبِّهًا مُطْلَقًا، كَمَا يُقَالُ: كُنْ يَهُودِيَّا صِرْفًا وَإِلَّا فَلَا تَلْعَبْ بِالتَّوْرَاةِ، وَإِنْ فَهِمْتَ مِنْهُ الصُّورَةَ الْبَاطِنَةَ الَّتِي تُدْرَكُ بِالْبَصَائِرِ لَا بِالْأَبْصَارِ، فَكُنْ مُنَزِّهًا صِرْفًا وَمُقَدِّسًا فَحْلًا، وَاطْوِ الطَّرِيقَ فَأَنْتَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَاسْتَمِعْ بِسِرِّ قَلْبِكَ لِمَا يُوحَى، فَلَعَلَّكَ تَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى، وَلَعَلَّكَ مِنْ سُرَادِقَاتِ الْعَرْشِ تُنَادَى بِمَا نُودِيَ بِهِ مُوسَى (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) (٢٠: ١٢) فَلَمَّا سَمِعَ السَّالِكُ مِنَ الْعِلْمِ ذَلِكَ اسْتَشْعَرَ قُصُورَ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ مُخَنَّثٌ بَيْنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّنْزِيهِ، فَاشْتَعَلَ قَلْبُهُ نَارًا مِنْ حِدَّةِ غَضَبِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا رَآهَا بِعَيْنِ النَّقْصِ، وَلَقَدْ كَانَ زَيْتُهُ الَّذِي كَانَ فِي مِشْكَاةِ قَلْبِهِ يَكَادُ يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، فَلَمَّا نَفَخَ فِيهِ الْعِلْمَ بِحِدَّتِهِ اشْتَعَلَ زَيْتُهُ فَأَصْبَحَ نُورًا عَلَى نُورٍ. فَقَالَ لَهُ الْعِلْمُ: اغْتَنِمِ الْآنَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ، وَافْتَحْ بَصَرَكَ لَعَلَّكَ تَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى، فَفَتَحَ بَصَرَهُ، فَانْكَشَفَ لَهُ الْقَلَمُ الْإِلَهِيُّ، فَإِذَا هُوَ كَمَا وَصَفَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّنْزِيهِ مَا هُوَ مِنْ خَشَبٍ، وَلَا قَصَبٍ، وَلَا لَهُ
رَأْسَ وَلَا ذَنَبَ، وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى الدَّوَامِ فِي قُلُوبِ الْبَشَرِ كُلِّهِمْ أَصْنَافَ الْعُلُومِ، وَكَأَنَّ لَهُ فِي كُلِّ قَلْبٍ رَأْسًا وَلَا رَأْسَ لَهُ، فَقَضَى مِنْهُ الْعَجَبَ وَقَالَ: نِعْمَ الرَّفِيقُ الْعِلْمُ، فَجَزَاهُ اللهُ عَنِّي خَيْرًا، إِذِ الْآنَ ظَهَرَ لِي صِدْقَ أَنْبَائِهِ عَنْ أَوْصَافِ الْقَلَمِ، فَإِنِّي أَرَاهُ قَلَمًا لَا كَالْأَقْلَامِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.