أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، وَتَلَا: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا) وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّ مِنَ الطَّعَامِ طَعَامًا أَتَحَرَّجُ مِنْهُ، فَقَالَ: " ضَارَعْتَ النَّصْرَانِيَّةَ لَا يَخْتَلِجَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ ".
" إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَسْأَلَةُ السُّؤَالِ أَعْنِي مَا ذُبِحَ مِنَ الْأَنْعَامِ لِقُدُومِ السُّلْطَانِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ) فَاسِدٌ، فَإِنَّ الْإِهْلَالَ رَفْعُ الصَّوْتِ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِهِ وَذَلِكَ قَوْلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَاسِمِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى. كَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ: وَالذَّابِحُ عِنْدَ قُدُومِ السُّلْطَانِ لَا يَقُولُ عِنْدَ ذَبْحِهِ " بِاسْمِ السُّلْطَانِ "، وَلَوْ فُرِضَ وُقُوعُ ذَلِكَ كَانَ مُحَرَّمًا بِلَا نِزَاعٍ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ بِاسْمِ اللهِ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لَعَنَ اللهُ مِنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ " الْحَدِيثَ. وَلَيْسَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللهِ كَمَا بَيَّنَهُ شُرَّاحُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَنْ يَذْبَحَ بِاسْمِ غَيْرِ اللهِ كَمَنْ ذَبَحَ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلصَّلِيبِ أَوْ لِمُوسَى أَوْ لِعِيسَى أَوْ لِلْكَعْبَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذَا حَرَامٌ وَلَا تَحِلُّ هَذِهِ الذَّبِيحَةُ سَوَاءٌ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا أَوْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَإِنْ
قَصَدَ الذَّابِحُ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيمَ الْمَذْبُوحِ لَهُ - وَكَانَ غَيْرَ اللهِ تَعَالَى - وَالْعِبَادَةَ لَهُ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا، فَإِنْ كَانَ الذَّابِحُ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ صَارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا انْتَهَى.
" وَهَذَا إِذَا كَانَ الذَّبْحُ بِاسْمِ أَمْرٍ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ لَا إِذَا كَانَ لِلَّهِ وَقُصِدَ بِهِ الْإِكْرَامُ لِمَنْ يَجُوزُ إِكْرَامُهُ، فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِ الذَّبِيحَةِ. هَاهُنَا كَمَا سَلَفَ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَا يُذْبَحُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ السُّلْطَانِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ أَفْتَى أَهْلُ بُخَارَى بِتَحْرِيمِهِ ; لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا إِنَّمَا يَذْبَحُونَهُ اسْتِبْشَارًا بِقُدُومِهِ فَهُوَ كَذَبْحِ الْعَقِيقَةِ لِوِلَادَةِ الْمَوْلُودِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَفِي رَوْضَةِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ: مَنْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لَهَا لِكَوْنِهَا بَيْتَ اللهِ أَوْ لِرَسُولِ اللهِ لِأَنَّهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا لَا يَمْنَعُ الذَّبِيحَةَ بَلْ تَحِلُّ. قَالَ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الذَّبْحُ الَّذِي يُذْبَحُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ السُّلْطَانِ اسْتِبْشَارًا بِقُدُومِهِ فَإِنَّهُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الذَّبْحِ لِعَقِيقَةِ الْوِلَادَةِ. انْتَهَى. وَقَدْ أَشْعَرَ أَوَّلُ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ ذَبَحَ لِلسُّلْطَانِ تَعْظِيمًا لَهُ لِكَوْنِهِ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا مِثْلَ الذَّبْحِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.