كُتُبِ التَّفْسِيرِ بِالْمَأْثُورِ، وَذَكَرَ الرَّازِيُّ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ عَزَا أَحَدَهُمَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ: أَنَّ الْأَوَّلَ حَمْزَةُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَمُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسُهُ وَعَزَاهُ إِلَى مُقَاتِلٍ، وَهَذَا أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ وَأَوْهَاهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مَيِّتًا، وَإِنْ وَرَدَ فِي سُورَةِ الضُّحَى أَنَّهُ كَانَ ضَالًّا أَيْ لَا يَعْرِفُ الْمَخْرَجَ مِنَ الْحِيرَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مِنْ أَمْرِ إِصْلَاحِ النَّاسِ وَهِدَايَتِهِمْ، وَلَا الْكِتَابَ وَلَا الْإِيمَانَ التَّفْصِيلِيَّ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدِ اتَّفَقَ أَصْحَابُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الثَّانِيَ فِي الْمَثَلِ هُوَ أَبُو جَهْلٍ، لَعَنَهُ اللهُ تَعَالَى، قَالَ الرَّازِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى: إِنَّ أَبَا جَهْلٍ رَمَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَرْثٍ (وَهُوَ مَا فِي الْكِرْشِ) وَحَمْزَةُ يَوْمَئِذٍ لَمْ يُؤْمِنْ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ صَيْدٍ لَهُ وَالْقَوْسُ بِيَدِهِ فَعَمَدَ إِلَى أَبِي جَهْلٍ وَتَوَخَّاهُ بِالْقَوْسِ وَجَعَلَ يَضْرِبُ رَأْسَهُ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَمَا تَرَى مَا جَاءَ بِهِ؟ سَفَّهَ عُقُولَنَا وَسَبَّ آلِهَتَنَا، فَقَالَ حَمْزَةُ: أَنْتُمْ أَسَفَهُ النَّاسِ تَعْبُدُونَ الْحِجَارَةَ مِنْ دُونِ اللهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ إِنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ: زَاحَمَنَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ بِالشَّرَفِ حَتَّى إِذَا صِرْنَا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْهِ، وَاللهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنَا وَحْيٌ كَمَا يَأْتِيهِ. وَقِصَّةُ إِلْقَاءِ فَرْثِ الْجَزُورِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ مَشْهُورَةٌ، وَكَذَا قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ فِي بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُمَا سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.
(كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أَيْ مِثْلُ هَذَا التَّزْيِينِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْمَثَلُ فِي الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، وَهُوَ تَزْيِينُ نُورِ الْهُدَى وَالدِّينِ لِمَنْ أَحْيَاهُ اللهُ تِلْكَ الْحَيَاةَ الْمَعْنَوِيَّةَ الْعَالِيَةَ، وَتَزْيِينُ ظُلُمَاتِ الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ لِمَوْتَى الْقُلُوبِ قَدْ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الْآثَامِ كَعَدَاوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَبْحِ الْقَرَابِينِ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى وَتَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ وَإِحْلَالِ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَقَدْ بُنِيَ فِعْلُ التَّزْيِينِ هُنَا لِلْمَفْعُولِ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ حَسَنٌ وَقَبِيحٌ، فَالْأَوَّلُ تَزْيِينُ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ، وَالثَّانِي تَزْيِينُ عَمَلِ الْكَافِرِ
لِلْكَافِرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُذَكَرْ فِي الْمُشَبَّهِ إِلَّا النَّوْعُ الثَّانِي لِأَنَّ السِّيَاقَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْأَوَّلُ فِي الْمَثَلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي التَّشْبِيهِ لِبَيَانِ قُبْحِ الضِّدِّ بِمُقَابَلَتِهِ بِحُسْنِ ضِدِّهِ، وَالَّذِي يُزَيِّنُ لِلْكَافِرِينَ أَعْمَالَهُمُ الْقَبِيحَةَ هُوَ الشَّيْطَانُ بِوَسْوَسَتِهِ كَمَا قَالَ فِي خِطَابِهِ لِلْبَارِي تَعَالَى (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) (١٥: ٣٩) وَسَائِرُ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ " ١١٢ " وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَا يَجْرِي فِي الْكَوْنِ يُسْنَدُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ، وَإِقَامَتِهِ نِظَامَ الْكَوْنِ بِسُنَنِ ارْتِبَاطِ الْأَسْبَابِ بِالْمُسَبِّبَاتِ، وَتَقَدَّمَ إِسْنَادُ تَزْيِينِ الْأَعْمَالِ إِلَى الشَّيْطَانِ فِي الْآيَةِ " ٤٣ " مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) (٣: ١٤) مَا يُسْنَدُ مِنَ التَّزْيِينِ إِلَى اللهِ - تَعَالَى - وَمَا يُسْنَدُ مِنْهُ إِلَى الشَّيْطَانِ، وَمَا يُبْنَى فِعْلُهُ لِلْمَجْهُولِ بِالشَّوَاهِدِ مِنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.