الْأَبَوَيْنِ، تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا لَمْ يَرْتَكِبُوا الْكُفْرَانَ فَبِطَرِيقِ الْأَوْلَى أَلَّا يَرْتَكِبُوا الْكُفْرَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ (الرَّازِيُّ) : السَّبَبُ فِي خَتْمِ كُلِّ آيَةٍ بِمَا خُتِمَتْ أَنَّ التَّكَالِيفَ الْخَمْسَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى ظَاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَوَجَبَ تَعَقُّلُهَا وَتَفَهُّمُهَا. وَالتَّكَالِيفُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أُمُورٌ خَفِيَّةٌ غَامِضَةٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالْفِكْرِ الْكَثِيرِ حَتَّى يَقِفَ عَلَى مَوْضِعِ الِاعْتِدَالِ وَهُوَ التَّذَكُّرُ. انْتَهَى.
(قَالَ الْآلُوسِيُّ) : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ أَكْثَرَ التَّكْلِيفَاتِ الْأُوَلِ أُدِّيَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْعِ، وَالْمَرْءُ حَرِيصٌ عَلَى مَا مُنِعَ، فَنَاسَبَ أَنْ يُعَلَّلَ الْإِيصَاءُ بِذَلِكَ بِمَا فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى مَعْنَى الْمَنْعِ وَالْحَبْسِ، وَهَذَا بِخِلَافِ التَّكْلِيفَاتِ الْأُخَرِ ; فَإِنَّ أَكْثَرَهَا قَدْ أُدِّيَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ الْمَنْعُ فِيهِ ظَاهِرًا كَمَا فِي النَّهْيِ، فَيَكُونُ تَأْكِيدَاتُ الطَّلَبِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ لِيَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ وَيَتَذَكَّرَ إِذَا نَسِيَ فَلْيُتَدَبَّرْ اهـ.
وَإِنَّنَا نَخْتِمُ هَذِهِ الْوَصَايَا الْعَظِيمَةَ الشَّأْنِ بِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِيهَا نَقْلًا عَنِ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ، أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ الَّذِي عَلَيْهِ خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) إِلَى قَوْلِهِ: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ؟ - ثُمَّ تَلَا (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) إِلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ - ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ وَفَّى بِهِنَّ فَأَجُرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا فَأَدْرَكَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا كَانَتْ عُقُوبَتَهُ، وَمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْآخِرَةِ كَانَ أَمْرُهُ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ آخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ " وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ قَالَ: قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَلْقَى صَحِيفَةً مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَاتَمٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ كِلَاهُمَا فِي الدَّلَائِلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، خَرَجَ إِلَى مِنًى وَأَنَا مَعَهُ وَأَبُو بَكْرٍ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا نَسَّابَةً، فَوَقَفَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَمَضَارِبِهِمْ بِمِنًى فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَرَدُّوا السَّلَامَ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو وَهَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ، وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ وَكَانَ أَقْرَبَ الْقَوْمِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ مَفْرُوقٌ، وَكَانَ مَفْرُوقٌ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ بَيَانًا وَلِسَانًا، فَالْتَفَتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: إِلَامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ يُظِلُّهُ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ تُؤْوُونِي وَتَنْصُرُونِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.