وَمُوسَى وَعِيسَى فَجَعَلُوهُ أَدْيَانًا مُخْتَلِفَةً، وَكُلٌّ مِنْهَا مَذَاهِبُ لَهَا شِيَعٌ مُخْتَلِفَةٌ يَتَعَادُونَ وَيَتَقَاتَلُونَ فِيهِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا فِي أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي مَزَّقَتْ وَحْدَةَ الْإِسْلَامِ بِمَا اسْتَحْدَثَتْ مِنَ النِّحَلِ وَالْمَذَاهِبِ، وَكُلٌّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ، وَالصَّوَابُ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَقَامَ حُجَجَ الْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَأَبْطَلَ شُبَهَاتِ الشِّرْكِ ذَكَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَشَرْعَهُمْ. وَأَمَرَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَةِ الْإِسْلَامِ بِالْوَحْدَةِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ كَمَا تَفَرَّقَ مَنْ قَبْلَهُمْ وَقَدْ فَصَّلَ هَذَا بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالِاعْتِصَامِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٣: ١٠٥) ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ رَسُولَهُ بَرِيءٌ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَهُوَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، فَمَنِ اتَّبَعَ سُنَّتَهُمُ فِي هَذَا التَّفْرِيقِ أَحَقُّ بِبَرَاءَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ وَالتَّحْذِيرِ.
أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اخْتَلَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ) الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ أَكْثَرُ رُوَاةِ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا
دِينَهُمْ) الْآيَةَ. قَالَ هُمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. بَلْ أَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ " وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ: " يَا عَائِشَةُ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ وَأَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ وَأَصْحَابُ الضَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَةٌ. يَا عَائِشَةُ إِنَّ لِكُلِّ صَاحِبِ ذَنْبٍ تَوْبَةً إِلَّا أَصْحَابَ الْبِدَعِ وَأَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ لَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَةٌ. أَنَا مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَهُمْ مِنِّي بُرَآءُ " وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ إِذَا عَرَفُوا بِدْعَتَهُمْ وَظَهَرَ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ فَرَجَعُوا وَتَابُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَا يَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يَتُوبُونَ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُصِيبُونَ. اهـ. مُلَخَّصًا مِنَ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ - وَثُمَّ آثَارٌرُوِيَتْ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ بِأَنَّهُمُ الْحَرُورِيَّةُ أَوِ الْخَوَارِجُ مُطْلَقًا، وَمُرَادُ قَائِلِيهَا أَنَّهُمْ مِنْهُمْ لَا أَنَّ الْآيَةَ فِيهِمْ وَحْدَهُمْ. وَجَاءَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ الِاعْتِصَامِ لِلْإِمَامِ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ الشَّاطِبِيِّ مَا نَصُّهُ:
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ الْآيَةُ تَعُمُّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالشُّذُوذِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّعَمُّقِ فِي الْجِدَالِ وَالْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ، هَذِهِ كُلُّهَا عُرْضَةٌ لِلزَّلَلِ وَمَظِنَّةٌ لِسُوءِ الْمُعْتَقَدِ، (قَالَ الشَّاطِبِيُّ) يُرِيدُ وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ التَّعَمُّقِ فِي الْفُرُوعِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي فَصْلِ ذَمِّ الرَّأْيِ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ لَهُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بِحَوْلِ اللهِ. وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.