فِي النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَلِلْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَلِأَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَأَعْمَالِهِمْ، وَلِأُصُولِ الدِّينِ وَوَصَايَاهُ الْجَامِعَةِ فِي الْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ - وَلَيْسَ فِيهَا عَلَى طُولِهَا قِصَّةٌ مِنْ قَصَصِ الرُّسُلِ الْمُفَصَّلَةِ فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ الطَّوِيلَةِ كَالْأَعْرَافِ مِنَ الطُّولِ، وَيُونُسَ وَهُودٍ مَنَّ الْمِئِينَ، وَالطَّوَاسِينَ مِنَ الْمَثَانِي، بَلْ جَمِيعُ آيَاتِهَا فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْجَزَاءِ وَأُصُولِ الْبِرِّ وَأَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْكَافِرِينَ، وَآيَاتِ اللهِ وَحُجَجِهِ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ قَصَصِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مُحَاجَّةُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ فِي التَّوْحِيدِ، وَمَا آتَاهُ اللهُ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِمَا بَيَّنَاهُ مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ، وَذُكِرَ فِيهَا مُوسَى وَالتَّوْرَاةُ لِلشَّبَهِ بَيْنَ رِسَالَتِهِ وَكِتَابِهِ وَبَيْنَ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ وَكِتَابِهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ كَمَا شَرَحْنَاهُ فِي مَحَلِّهِ، وَمِنْهُ وَصَايَا الْقُرْآنِ الْعَشْرُ وَوَصَايَا التَّوْرَاةِ الْعَشْرُ، وَذُكِرَ فِيهَا أَيْضًا مَا كَانَ مِنْ حَالِ الرُّسُلِ عَامَّةً مَعَ أَقْوَامِهِمُ الْمُشْرِكِينَ لِأَجْلِ الْعِبْرَةِ وَتَسْلِيَةِ خَاتَمِ الرُّسُلِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَإِنَّنَا بَعْدَ هَذَا الْإِجْمَالِ نُذَكِّرُ الْقُرَّاءَ بِبَعْضِ الْأُصُولِ الَّتِي يَغْفَلُ الْكَثِيرُونَ عَنْ جُمْلَتِهَا وَفَوَائِدِ الْجَمْعِ بَيْنَهَا.
أَسَالِيبُ الْقُرْآنِ فِي الْعَقَائِدِ الْإِلَهِيَّةِ:
أَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ فَقَدْ فُصِّلَتْ أَبْلَغَ تَفْصِيلٍ بِأَسَالِيبِ الْقُرْآنِ الْعَالِيَةِ الْجَامِعَةِ بَيْنَ الْإِقْنَاعِ وَالتَّأْثِيرِ، كَبَيَانَ صِفَاتِ اللهِ فِي سِيَاقِ بَيَانِ أَفْعَالِهِ وَسُنَنِهِ فِي الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ، وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّدْبِيرِ. وَآيَاتِهِ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ، وَطَبَائِعِ الِاجْتِمَاعِ وَمَلَكَاتِ الْأَخْلَاقِ، وَتَأْثِيرِ الْعَقَائِدِ فِي الْأَعْمَالِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فِي الدَّارَيْنِ مِنَ الْجَزَاءِ، وَنَاهِيكَ بِإِيرَادِ الْحَقِيقَةِ بِأُسْلُوبِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْجِدَالِ، أَوْ وُرُودِهَا جَوَابًا بَعْدَ سُؤَالٍ، أَوْ تَجَلِّيهَا فِي وُرُودِ الْوَقَائِعِ وَضُرُوبِ الْأَمْثَالِ، وَهَذَا الْأُسْلُوبُ أَعْلَى الْأَسَالِيبِ وَأَكْمَلُهَا جَمْعًا بَيْنَ إِقْنَاعِ الْعُقُولِ وَالتَّأْثِيرِ فِي الْقُلُوبِ، فَيَقْتَرِنُ الْيَقِينُ فِي الْإِيمَانِ، بِحُبِّ التَّعْظِيمِ وَخُشُوعِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ. وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ يَذْكُرُ شُبَهَاتِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ، فَيَكُونُ مَثَلُهَا فِيهِ كَقِطْعَةٍ مِنَ الطِّينِ الْآسِنِ تُلْقَى فِي غَدِيرٍ صَافٍ. يَتَدَفَّقُ مِنْ صَخْرٍ. عَلَى حَصْبَاءَ كَالدُّرِّ. لَا تَلْبَثُ أَنْ تَتَضَاءَلَ وَتَخْفَى. وَلَا تُكَدِّرَ لَهُ صَفْوًا. حَتَّى إِنَّهُ لَيُسْتَغْنَى، بِمُجَرَّدِ بَيَانِهَا، عَنْ وَصْفِ قُبْحِهَا وَالْحُجَّةِ عَلَى بُطْلَانِهَا، فَكَيْفَ وَهِيَ تُقْرَنُ غَالِبًا بِالْوَصْفِ الْكَاشِفِ لِمَا غَشِيَهَا مِنَ التَّلْبِيسِ. أَوْ يُقَفَّى عَلَيْهَا بِالْبُرْهَانِ الدَّامِغِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَبَاطِيلِ. وَلَا تَغْفَلُ عَنْ أُسْلُوبِ إِحَالَةِ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى مَا أُوْدِعَ فِي غَرَائِزِهِمْ وَفِطَرِهِمْ. وَتَذْكِيرِهِمْ بِمُعَارَضَتِهِ لِمَا أَلِفُوا مِنْ تَقَالِيدِهِمْ وَفَسَادِ نَظَرِهِمْ. وَلَا عَنْ أُسْلُوبِ إِنْذَارِ سُوءِ الْمَغَبَّةِ فِي الْعَاجِلَةِ. وَسُوءِ الْعَاقِبَةِ وَالْمَصِيرِ فِي الْآخِرَةِ.
أَضَلَّتِ الْفَلْسَفَةُ الْيُونَانِيَّةُ عُلَمَاءَ الْكَلَامِ عَنْ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ الْعُلْيَا فَلَمْ يَهْتَدُوا بِهَا وَلَا اقْتَدَوْا بِشَيْءٍ مِنْهَا، بَلْ طَفِقُوا يُلَقِّنُونَ النَّشْءَ الْإِسْلَامِيَّ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى مَسْرُودَةً سَرْدًا
مَعْدُودَةً عَدًّا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.