مَجْنُونٌ " (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (٥١: ٥٢، ٥٣) .
نَعَمْ قَدْ قِيلَ: إِنَّ (ن) هُنَا بِمَعْنَى الدَّوَاةِ، وَلِذَلِكَ قُرِنَ بِالْقَلَمِ لِبَيَانِ أَنَّ هَذَا الدِّينَ يَقُومُ بِالْعِلْمِ وَالْكِتَابَةِ، كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ قَبْلَهَا: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) (٩٦: ٣، ٤) وَقِيلَ: إِنَّهُ بِمَعْنَى الْحُوتِ لِأَنَّ فِي السُّورَةِ ذِكْرًا لِصَاحِبِ الْحُوتِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا أَوْ ذَاكَ لَمَا كُتِبَتِ النُّونُ مُفْرَدَةً وَنُطِقَتْ سَاكِنَةً، بَلْ كَانَتْ تُذْكَرُ مُرَكَّبَةً وَمُعْرَبَةً كَقَوْلِهِ: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا) (٢١: ٨٧) وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذُكِرَ، كَمَا يَصِحُّ فِي سَائِرِ
تِلْكَ الْحُرُوفِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا إِشَارَاتٌ إِلَى مَعَانٍ مُعَيَّنَةٍ تَظْهَرُ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ تَذْهَبُ فِيهَا الْأَفْهَامُ مَذَاهِبَ تُفِيدُ أَصْحَابَهَا عِلْمًا أَوْ عِبْرَةً، بِشَرْطِ أَنْ تَتَّفِقَ مَعَ هِدَايَةِ الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا مُرَادَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِحَسَبِ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْأَخِيرِ جَعَلَ بَعْضُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ هَذِهِ الْأَحْرُفَ مُقْتَطَعَةً مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ جُمَلٍ مِنَ الْكَلَامِ تَشْتَمِلُ عَلَيْهَا: أَخْرَجَ أَكْثَرُ رُوَاةِ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي (المص) قَالَ أَنَا اللهُ أَفْضَلُ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَرَوَى هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِيهِ قَالَ: هُوَ الْمُصَوِّرُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ فِيهِ قَالَ: الْأَلِفُ مِنَ اللهِ، وَالْمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ، وَالصَّادُ مِنَ الصَّمَدِ. وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ فِيهِ قَالَ: أَنَا اللهُ الصَّادِقُ. وَرَوَى أَبْنَاءُ جَرِيرٍ، وَالْمُنْذِرُ، وَأَبُو حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (المص) وَ (طه) وَ (طسم) وَ (حم عسق) وَ (ق) وَ (ن) وَأَشْبَاهُ هَذَا أَنَّهُ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللهُ بِهِ وَهِيَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى.
وَأَقْرَبُ مِنْ هَذَا إِلَى الْفَهْمِ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ - وَالِاسْمُ الْمُرْتَجَلُ لَا يُعَلَّلُ - وَهُوَ مَا اخْتَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ (الم) مِنْ سُورَتَيِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا بَيَّنَّاهُ مِنَ الْحِكْمَةِ آنِفًا، وَهِيَ الَّتِي فُتِحَ عَلَيْنَا بِهَا فِي دَرْسِ التَّفْسِيرِ الَّذِي كُنَّا نُلْقِيهِ فِي مَدْرَسَةِ دَارِ الدَّعْوَةِ وَالْإِرْشَادِ وَقَدْ فَصَّلْنَاهُ فِيهِ أَتَمَّ تَفْصِيلٍ، إِذْ أَثْبَتْنَا أَنَّ مِنْ حُسْنِ الْبَيَانِ وَبَلَاغِةِ التَّعْبِيرَ، الَّتِي غَايَتُهَا إِفْهَامُ الْمُرَادِ مِنَ الْإِقْنَاعِ وَالتَّأْثِيرِ، أَنْ يُنَبِّهُ الْمُتَكَلِّمُ الْمُخَاطَبَ إِلَى مُهِمَّاتِ كَلَامِهِ وَالْمَقَاصِدِ الْأُولَى بِهَا، وَيَحْرِصُ عَلَى أَنْ يُحِيطَ عِلْمُهُ بِمَا يُرِيدُهُ هُوَ مِنْهَا، وَيَجْتَهِدُ فِي إِنْزَالِهَا مِنْ نَفْسِهِ فِي أَفْضَلِ مَنَازِلِهَا وَمِنْ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ لَهَا قَبْلَ الْبَدْءِ بِهَا لِكَيْلَا يَفُوتَهُ شَيْءٌ مِنْهَا. وَقَدْ جَعَلَتِ الْعَرَبُ مِنْهُ هَاءَ التَّنْبِيهِ وَأَدَاةَ الِاسْتِفْتَاحِ، فَأَيُّ غَرَابَةٍ فِي أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ الَّذِي بَلَغَ حَدَّ الْإِعْجَازِ فِي الْبَلَاغَةِ وَحُسْنِ الْبَيَانِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا الْإِمَامُ الْمُقْتَدَى، كَمَا أَنَّهُ هُوَ الْإِمَامُ فِي
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.