ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْحَشْوِيَّةَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ النَّظَرَ الْعَقْلِيَّ وَالْبَرَاهِينَ الْعَقْلِيَّةَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْقُرْآنِ حُجَّةً مَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ
بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَلَوْ جَعَلْنَا الْقُرْآنَ طَاعِنًا فِي صِحَّةِ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ لَزِمَ التَّنَاقُضُ وَهُوَ بَاطِلٌ اهـ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ هَدَى إِلَى الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ بِاسْتِدْلَالِهِ بِالْمَعْقُولِ، وَمُخَاطَبَتِهِ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَأَصْحَابِ الْعُقُولِ، عَلَى أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ تُنْكِرُ النَّظَرَ الْعَقْلِيَّ وَالْبَرَاهِينَ الْعَقْلِيَّةَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ وَأَهْلُ الْبَصِيرَةِ عَلَى أَمْثَالِهِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ جَعْلَ الْعَقَائِدِ وَالصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَأَخْبَارِ عَالَمِ الْغَيْبِ مَحَلًّا لِنَظَرِيَّاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ، وَمَوْقُوفًا إِثْبَاتُهَا عَلَى اصْطِلَاحَاتٍ جَدَلِيَّةٍ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَلَمْ يَسْتَفِدْ أَصْحَابُهَا مِنْهَا غَيْرَ تَفْرِيقِ الدِّينِ، وَاخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْبُعْدِ عَنْ حَقِّ الْيَقِينِ، وَيَرَى هَؤُلَاءِ أَنَّ كَوْنَ الْقُرْآنِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى قَدْ ثَبَتَ ثُبُوتًا عَقْلِيًّا مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ بِتَلَقِّي الْعَقَائِدِ وَالْأَحْكَامِ مِنْهُ مَعَ اجْتِنَابِ التَّأْوِيلِ لِلصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْأُمُورِ الْغَيْبِيَّةِ بِالنَّظَرِيَّاتِ الْكَلَامِيَّةِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.
(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)
كَانَتِ الْآيَةُ الْأَوْلَى مِنَ السُّورَةِ فِي بَيَانِ إِنْزَالِ الْكِتَابِ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُنْذِرَ بِهِ كُلَّ النَّاسِ، وَذِكْرَى وَمَوْعِظَةً لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِمَا يَبْدَأُ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ، وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَلَّا يَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَحَدًا يَتَوَلَّوْنَهُ فِي أَمْرِ التَّشْرِيعِ الْخَاصِّ بِالرَّبِّ تَعَالَى. وَلَمَّا كَانَ الْإِنْذَارُ تَعْلِيمًا مَقْرُونًا بِالتَّخْوِيفِ مِنْ عَاقِبَةِ الْمُخَالَفَةِ قَفَّى عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى - الَّتِي هِيَ أُمُّ الْقَوَاعِدِ لِأُصُولِ الدِّينِ - بِالتَّخْوِيفِ مِنْ عَاقِبَةِ الْمُخَالَفَةِ لَهَا وَلِمَا يَتْلُوهَا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، فَبَدَأَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بِالتَّخْوِيفِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا فَقَالَ:
(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) " كَمْ " خَبَرِيَّةٌ تُفِيدُ الْكَثْرَةَ وَالْقَرْيَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْأُمَّةِ، قَالَ الرَّاغِبُ: الْقَرْيَةُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ وَلِلنَّاسِ جَمِيعًا (أَيْ مَعًا) وَيُسْتَعْمَلُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، قَالَ تَعَالَى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) (١٢: ٨٢) قَالَ كَثِيرٌ مِنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.