بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِمِثْلِ هَذَا التَّحْدِيدِ لِلْمَعَانِي مَعَ
سَلَامَتِهَا كُلِّهَا مِنَ التَّعَارُضِ وَالتَّنَاقُضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الِاخْتِلَافِ، وَإِنْ كَتَبَ ذَلِكَ كِتَابَةً، وَقَابَلَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مُنَقِّحًا لَهُ وَمُصَحِّحًا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ يَرْتَجِلُ الْكَلَامَ ارْتِجَالًا فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَتْلُو الْقُرْآنَ كَالْمُرْتَجِلِ لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَلَقَّاهُ فَيُؤَدِّيهِ كَمَا تَلَقَّاهُ، فَيَعْجَلُ بِهِ خَائِفًا أَنْ يَنْسَى مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى لُقِّنَ فِيهِ نَبَأَ عِصْمَتِهِ مِنْ نِسْيَانِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى كَفَلَ حِفْظَهُ: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٨٧: ٦) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (٧٥: ١٦، ١٧) وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ (٢٠: ١١٤) وَتِلْكَ ضُرُوبٌ مِنْ إِعْجَازِهِ اللَّفْظِيِّ، وَلِضُرُوبِ إِعْجَازِهِ الْمَعْنَوِيِّ أَكْبَرُ.
(٣) إِثْبَاتُ عَجْزِ الْبَشَرِ عَنْ تَرْجَمَةِ الْقُرْآنِ بِلُغَةٍ أُخْرَى تُؤَدِّي مَعَانِيهِ كُلَّهَا، وَإِذَا كَانَ مِنَ الْمُتَعَذَّرِ أَدَاؤُهَا بِمِثْلِهَا مِنْ لُغَتِهَا، فَتَرْجَمَتُهَا بِلُغَةٍ أُخْرَى أَوْلَى.
وَقَدْ تَصَدَّى بَعْضُ الْمَغْرُورِينَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لِتَرْجَمَتِهِ بِاللُّغَةِ التُّرْكِيَّةِ الْفَقِيرَةِ الْمُلَفَّقَةِ مِنْ عِدَّةِ لُغَاتٍ لِأَجْلِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الْمَلَاحِدَةُ مِنْ زُعَمَاءِ التُّرْكِ عَلَى مَا يَبْتَغُونَ مِنْ سَلِّ الشَّعْبِ التُّرْكِيِّ مِنَ الْإِسْلَامِ بِأَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَنْ كِتَابِ اللهِ الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (٢٦: ١٩٥) كَمَا ثَبَتَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ.
فَإِنِ انْخَدَعَ هَذَا الشَّعْبُ الْمُسْلِمُ بِهَذَا، سَهُلَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ أَنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ أَنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ فَإِنَّهَا فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ أَنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وَمَا كَتَبَهُ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ فِي التَّفْسِيرِ، وَشَرْحِ الْحَدِيثِ، وَمَا اسْتُنْبِطَ مِنْهَا فِي أُمُورِ الدِّينِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْآدَابِ وَأَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَبَعْدَ هَذَا يَتَحَكَّمُونَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِمَا شَاءُوا، وَيُورِدُونَ الشُّبُهَاتِ عَلَى الْإِسْلَامِ الْمُشَوَّهِ الْمَأَخُوذِ مِنْ تَرْجَمَتِهِمُ الْقَابِلَةِ لِذَلِكَ - وَحِينَئِذٍ يَتِمُّ لَهُمْ مَا يُرِيدُونَ مِنْ جَعْلِ التُّرْكِ أُمَّةً لَا دِينِيَّةَ، وَلَكِنْ لَنْ يَتِمَّ لَهُمْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَالشَّعْبُ التُّرْكِيُّ رَاسِخٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَتَى عَرَفَ كَيْدَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ الْمُضِلِّينَ فَإِنَّهُ يَنْبِذُهُمْ نَبْذَ النَّوَاةِ.
تَتِمَّةُ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ
وَهَاهُنَا يَرِدُ سُؤَالٌ: مَاذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ السَّحَرَةِ عِنْدَمَا سَمِعُوا هَذَا التَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ، وَبِمَ أَجَابُوا ذَلِكَ الْجَبَّارَ الْعَنِيدَ؟ وَجَوَابُهُ هُنَا: قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَنَوْا بِقَوْلِهِمْ هَذَا أَنْفُسَهُمْ وَحْدَهَا، وَأَرَادُوا أَنَّهُمْ
لَا يُبَالُونَ مَا يَكُونُ مِنْ قَضَائِهِ فِيهِمْ وَقَتْلِهِ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى رَبِّهِمْ، رَاجُونَ مَغْفِرَتَهُ وَرَحْمَتَهُ بِهِمْ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَعْجِيلُ قَتْلِهِمْ سَبَبًا لِقُرْبِ لِقَائِهِ، وَالتَّمَتُّعِ بِحُسْنِ جَزَائِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَنَوْا أَنْفُسَهُمْ وَفِرْعَوْنَ جَمِيعًا، وَأَرَادُوا: إِنَّنَا وَإِيَّاكَ سَنَنْقَلِبُ إِلَى رَبِّنَا، فَلَئِنْ قَتَلْتَنَا فَمَا أَنْتَ بِخَالِدٍ بَعْدَنَا، وَسَيَحْكُمُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَدْلِهِ بَيْنَكَ وَبَيْنَنَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.